ثقافة وفن

“يا أهل بلدي” عبد البديع قمحاوي.. رجل جعل من الراديو مدرسة

 

كتب/ خطاب معوض خطاب

 

 

 

كان الراديو في زمنٍ مضى أكثر من مجرد جهاز موجود في ركن من أركان البيت، حيث كان نافذة المصريين على العالم، ورفيقهم في العمل والراحة، ومصدرًا للأخبار والفنون والمعرفة. لكن بعض الذين وقفوا خلف ميكروفون الراديو لم يكتفوا بأن يقدموا للناس برنامجًا يستمعون إليه ثم ينتهي بانتهاء البث، وإنما حاولوا أن يجعلوا من الإذاعة شيئًا أبقى وأعمق؛ أن يجعلوا منها مدرسةً تصل إلى من لم يستطيعوا الوصول إلى المدرسة.

 

ومن بين هؤلاء يبرز اسم الإذاعي والمثقف والمربي الأستاذ عبد البديع قمحاوي، صاحب التجربة الإذاعية الشهيرة “يا أهل بلدي”، ذلك البرنامج الذي لم يكن مجرد برنامج لمحو الأمية، وإنما كان مشروعًا تعليميًا واجتماعيًا اتخذ من الميكروفون طريقًا إلى عقول الناس وبيوتهم وقراهم. وَوُلِدَ عبد البديع قمحاوي في يوم 3 مارس سنة 1934 بمدينة منيا القمح محافظة الشرقية، وتخرج عام 1956 في كلية المعلمين، على بكالوريوس التربية.

 

وبدأ حياته العملية مدرسًا بمدرسة منيا النصر الإعدادية بالدقهلية، وكأن القدر كان يضعه منذ البداية في المكان الذي سيظل قريبًا منه طوال حياته: مكان المعلّم. فالتربية لم تكن بالنسبة إليه مجرد دراسة أو وظيفة، وإنما كانت جزءًا من تكوينه، وهو ما ظهر بوضوح عندما انتقل بعد ذلك إلى عالم الإذاعة. حيث دخل الإذاعة بعقلية المدرس الذي يبحث عن طريقة جديدة للوصول إلى تلاميذه، لكنه هذه المرة لم يكن أمام فصل دراسي محدود العدد، وإنما أمام شعب كامل.

 

أُعير قمحاوي إلى ليبيا، وعمل في إذاعة بني غازي، وهناك بدأت تجربة مختلفة أضافت إلى شخصيته الإبداعية والإعلامية الكثير. فقدم باللهجة الليبية عددًا من القصص والتمثيليات وبرامج الأطفال، وكتب يوميات في جريدة “برقة الجديدة” تحت عنوان “قصاصات ورق”. ولم تكن إقامته في ليبيا مجرد محطة وظيفية عابرة، حيث اقترب خلالها من المجتمع الليبي، وعاش تفاصيله، وتأثر به، واستلهم منه أول قصة له، التي حملت عنوان “العريس”. وهكذا كان الرجل يتعلم من الناس قبل أن يعلمهم، ويقترب من المجتمع قبل أن يتحدث باسمه.

 

بعد عودته إلى مصر، بدأت واحدة من أهم مراحل حياته، عندما قدم برنامج “يا أهل بلدي”. وهنا لم يعد السؤال: ماذا يمكن أن تقدم الإذاعة للمستمع؟ وإنما أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن أن تصل الإذاعة إلى إنسان لم يدخل مدرسة، ولم تتح له فرصة تعلم القراءة والكتابة؟ ومن هذا السؤال خرجت الفكرة التي جعلت “يا أهل بلدي” واحدًا من أشهر وأهم مشروعات محو الأمية التي عرفتها الإذاعة المصرية، بل امتد تأثيرها إلى العالم العربي.

 

لم يقدم قمحاوي دروسًا مدرسية جافة، ولم يتعامل مع المستمع باعتباره تلميذًا يجلس أمام كتاب، وإنما حاول أن يجعل التعليم جزءًا من الحياة نفسها. فالحرف لم يعد مجرد شكل على الورق، والقراءة لم تعد درسًا للحفظ، وإنما أصبحت وسيلة لفهم الحياة والتعامل معها. وهنا تكمن عبقرية التجربة؛ أن تجعل الإنسان يشعر بأن التعلم ليس شيئًا مفروضًا عليه من الخارج، وإنما حاجة تخص حياته ومستقبله.

 

خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، أصبح “يا أهل بلدي” جزءًا من مشروع ثقافي واجتماعي لمواجهة الأمية، واكتسب بعدًا وطنيًا أكبر بعد نكسة يونيو 1967، حتى تحول إلى ما يشبه المشروع الشعبي في مواجهة آثار النكسة. وكان نجاح التجربة كبيرًا، حتى نال عبد البديع قمحاوي عنها جائزة اليونسكو، إلى جانب عدد من الجوائز الدولية التي قدرت قيمة المشروع وأثره في مجال محو الأمية. ولم يكن قمحاوي وحده في هذه الرحلة، فقد شاركته زوجته الإذاعية عايدة شكري في تقديم البرنامج، لتصبح التجربة نموذجًا لعمل جمع بين الإعلام والتعليم والرسالة الاجتماعية.

 

لكن قمحاوي لم يتوقف عند حدود الميكروفون. فإذا كان الهدف هو الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الأميين، فلماذا لا تنتقل التجربة إلى التليفزيون. وهكذا خرج “يا أهل بلدي” من عالم الصوت إلى عالم الصورة، مستفيدًا من قدرة التليفزيون على تقديم المعلومة بصورة أكثر وضوحًا وتأثيرًا. وكانت الفكرة الأساسية كما هي: أن يرتبط التعليم بحياة الإنسان، وألا يشعر الدارس أن القراءة والكتابة شيئان منفصلان عن واقعه، وإنما أداتان تساعدانه على فهم هذا الواقع والتعامل معه.

 

كما امتد اهتمامه إلى تعليم المتعلمين ومواكبة التطور التكنولوجي، فأصدر كتابًا يتعلق بمحو أمية الكمبيوتر. وهنا نكتشف أن مشروع الرجل لم يكن في حقيقته مشروعًا لمحو الأمية بالمعنى الضيق، وإنما كان مشروعًا لمواجهة الجهل بكل صوره. ومع تغير الزمن، تغيرت أدوات المعرفة. واللافت أن قمحاوي لم يقف عند حدود التجربة التي صنع بها اسمه، وإنما أدرك أن الإنسان الذي تعلم القراءة والكتابة سيجد نفسه أمام عالم جديد يحتاج فيه إلى مهارات جديدة. فانتقل من مواجهة الأمية الأبجدية إلى مواجهة الأمية الكمبيوترية، وعقد دورات مجانية لتعليم الكمبيوتر لأعضاء اتحاد الكتاب.

 

لم يكن قمحاوي أسير وسيلة بعينها. حيث بدأ مدرسًا، ثم أصبح إذاعيًا، وانتقل إلى التليفزيون، واهتم بالكتاب، ثم بالكمبيوتر والإنترنت. لكن الوسيلة كانت تتغير، بينما بقي الهدف واحدًا: أن تصل المعرفة إلى الإنسان. ولهذا امتدت مشاركاته إلى العمل الثقافي العام، فكان عضوًا في لجنة ثقافة الطفل بالمجلس الأعلى للثقافة، وعضوًا في المجلس المصري العالمي لكتاب الأطفال، وعضوًا في اتحاد الكتاب. كما شارك بالأبحاث والحضور والمناقشة في مؤتمرات وفعاليات عديدة على المستويين القومي والعربي، وامتد نشاطه إلى دول في أوروبا وآسيا، من بينها اليابان وتايلاند ومانيلا.

 

رحل عبد البديع قمحاوي في 23 أبريل 2005، لكنه ترك وراءه تجربة يصعب اختصارها في لقب إذاعي أو مقدم برامج. فالرجل الذي بدأ حياته مدرسًا، حمل روح المدرس معه إلى الإذاعة، ولم ينظر إلى الميكروفون باعتباره وسيلة للشهرة، وإنما باعتباره وسيلة للوصول إلى الناس. وفي “يا أهل بلدي” تحديدًا، خرجت الإذاعة من الاستوديو إلى قلب المجتمع. خرجت من حدود البرنامج إلى البيوت والقرى، ومن مجرد الاستماع إلى المشاركة والتعلم. وهنا يصبح “يا أهل بلدي” أكثر من اسم لبرنامج إذاعي قديم؛ يصبح شاهدًا على زمن كان فيه للإعلام دور يتجاوز الترفيه والخبر، دور يستطيع أن يفتح بابًا مغلقًا في حياة إنسان.

 

فمحو الأمية ليس مجرد أن يتعلم الإنسان كيف يقرأ كلمة أو يكتب جملة. محو الأمية هو أن تفتح أمام الأمي بابًا كان مغلقًا. أن تجعله قادرًا على قراءة ورقة، وفهم خبر، وكتابة اسمه، والتعامل مع العالم من حوله بثقة أكبر. وهذا هو الأثر الحقيقي الذي تركه عبد البديع قمحاوي. لقد تغيّرت الوسائل من الراديو إلى التليفزيون، ومن الكتاب إلى الكمبيوتر والإنترنت، لكن الرسالة لم تتغير. أن تصل المعرفة إلى الإنسان حيث هو، وبالطريقة التي يستطيع أن يفهمها.

 

ولهذا بقي “يا أهل بلدي” في الذاكرة؛ لأنه لم يكن مجرد صوتٍ يخرج من جهاز راديو، وإنما كان صوتًا يقول للناس إن لهم حقًا في المعرفة، وإن التعليم ليس امتيازًا لفئة دون أخرى. وهكذا أثبت عبد البديع قمحاوي أن الإذاعي الحقيقي لا يُقاس بعدد الساعات التي قضاها أمام الميكروفون، ولا بعدد البرامج التي قدمها، وإنما بما تركه صوته من أثر في حياة الناس. فقد يختفي الصوت من الأثير، لكن الكلمة التي غيّرت حياة إنسان لا تختفي أبدًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى