
معتز محسن عزت
كان لثورة 23 يوليو، دورًا بارزًا في تنمية القوة الناعمة للسليقة المصرية والعربية، أثناء مواجهتها لتحديات كبرى أمام القوى الاستعمارية العاتية ما بين الحرس القديم (بريطانيا وفرنسا) والحرس الجديد (الولايات المتحدة الأمريكية).
نجحت ثورة يوليو في إضفاء الوعي والتثقيف للمواطن المصري والعربي عبر استخدام السينما كوثيقة توعوية لإعلام الشعبين العربي والمصري بمدى خطورة الإمبريالية العالمية بمختلف أبطالها عبر محاولاتهم المضنية لإيقاف قطار تنمية التيارالوطني للدول الساعية للاستقلال، تحت دعاوى الحرية والأخاء والمساواة!
في 1 نوفمبر من العام 1954، بدأت حرب الاستقلال الجزائرية في يوم عيد “القديس أوجستين”، وقت احتفال المستوطنين الفرنسيين وهم في أجازاتهم، ليكشر المقاوم الجزائري عن أنيابه مؤكدًا للعالم أن رغم جثوم الاستعمار الفرنسي على البقعة الجزائرية لقرن وربع قرن، إلا أن الإرادة الجزائرية لا تذبل ابدًا لاستلهامها روح مقاومة الأجداد في السنوات الماضية وإبرازها بنسخة جديدة.
كان لمصر في الحقبة الناصرية، دورًا بارزًا في تدعيم جبهة التحريرالجزائرية وقت معركتها مع فرنسا – إمبراطورية النمر – وقد شارك في تلك الحرب من أقطاب الفكر المصري، الكاتب الكبير يوسف إدريس – أنطوان تشيكوف العرب – وتعرض للإصابة أثناء مشاركته بالقتال وهو ما ذكره في روايته الشهيرة “رجال وثيران”.
لم يفت السينما المصرية، دعم الثورة الجزائرية وهي في قمة عنفوانها بعد سبك تفاصيلها بالخضرمة القتالية والسياسية، ليقوم المخرج العالمي “يوسف شاهين” بعمل وثيقة سينمائية مُؤَازرةً لحرب الاستقلال الجزائرية من خلال فيلم “جميلة” في العام 1958 الذي أدان فيه بحرفية عالية وثقافة متقنة الممارسات القمعية الفرنسية ضد المقاومة الأيقونية “جميلة بوحيرد”، لتلقب من قِبل الصحف العربية والعالمية بألقاب “جان دارك العرب”، “الشهيدة الحية” و”أيقونة الثورة الجزائرية”.
قامت الفنانة القديرة “ماجدة الصباحي” بإنتاج فيلم “جميلة” عن مسرحية “مأساة جميلة”، للكاتب القدير “عبد الرحمن الشرقاوي” وهي مسرحية شعرية بنظام الشعر المُرسل، وقد شارك في كتابة سيناريو الفيلم مع العمالقة الكبار: “يوسف السباعي”، “نجيب محفوظ”، “وجيه نجيب” و”علي الزرقاني”.
شارك ببطولة الفيلم: “ماجدة”، “رشدي أباظة”، “أحمد مظهر”، “حسين رياض”، “صلاح ذو الفقار”، “زهرة العلا”، “كريمان”، “صلاح نظمي”، “محمود المليجي”، “فتوح نشاطي”، “أحمد أباظة”، “عدلي الكاسب”، “عبد الغني قمر”، “فاخر فاخر”.
يتناول العمل قصة حياة المناضلة الجزائرية “جميلة بوحيرد” والتي ساهمت في مقاومة الاحتلال الفرنسي للجزائر، حيث تري تعذيب و مقتل زميلتها “أمينة” بالمدرسة والتي كانت ضمن منظمة لمقاومة الاحتلال، لتقرر جميلة استكمال مسيرة النضال، وتتصاعد الأحداث.
تنبأ الفيلم في نهايته بقدوم الاستقلال للجزائر عبر إنشاد المعتقلين وقت تعذيب “جميلة” أغنية “جزائرنا يا بلاد الجدود”، مثلما أتى لأشقائها تونس والمغرب في العام 1956. يعتبر فيلم “جميلة” من أهم أفلام الفنانة “ماجدة”، ومن أهم أدوارالفنان “أحمد مظهر” في دور المناضل الجزائري “يوسف” وأيضًا من أهم أدوار النجم “رشدي أباظة” الذي جسد شخصية الجنرال “بيجار”، السفاح الفرنسي الشهير الذي ارتبط اسمه بإراقة الدماء الجزائرية طوال حرب التحرير الجزائرية (1954 – 1962)، يعتبر أيضًا مشاركة مميزة للقدير “محمود المليجي” في دور المحامي الفرنسي “جاك فيرجيس” المدافع عن “جميلة بوحيرد”.
شارك فيلم “جميلة” في مهرجان موسكو لعام 1959، وقد نال تصفيق الجميع مع تأييدهم العملي لاقتراب لحظات الاستقلال الجزائرية، التي بزغ فجرها بناءً على اتفاقيات إيفيان الموقعة في 18 مارس من العام 1962، ما بين جبهة التحرير الجزائرية والحكومة الفرنسية، وقد تم عمل استفتاء شعبي جزائري لحق تقريرالمصير في 1 يوليو من العام 1962 وصَوَّت الجزائريون بالإجماع على الحرية الجزائرية.
صوت أيضًا الفرنسيون بنسبة 90% على الحرية الجزائرية، وبناءً عليه أعلنت جبهة التحرير الجزائرية عن الاستقلال الجزائري رسميًا في 5 يوليه من العام 1962، في نفس اليوم الذي احتُلت فيه الجزائر في العام 1830.




