ثقافة وفن

في ذكرى رحيله يوسف إدريس.. الطبيب الذي داوى المجتمع بالقلم

 

كتب/ خطاب معوض خطاب

 

 

 

في الأول من أغسطس من كل عام، تتجدد ذكرى رحيل الأديب الكبير يوسف إدريس الذي رحل عن الدنيا منذ 35 سنة، والذي يعد أحد أبرز من غيّروا شكل القصة القصيرة العربية، وتركوا بصمة لا تمحى في الأدب المصري. وعندما يُذكر اسم يوسف إدريس، لا نتحدث فقط عن أديب كبير، بل عن حالة استثنائية في الأدب العربي، استطاعت أن تنقل الإنسان المصري بكل تناقضاته وأحلامه وانكساراته إلى صفحات الكتب، حتى بدا وكأن القارئ يرى نفسه في أبطال قصصه. فقد امتلك يوسف إدريس قدرة نادرة على الغوص في أعماق النفس البشرية، ورصد تفاصيل الحياة اليومية بلغة بسيطة، لكنها عميقة التأثير.

 

ولد يوسف إدريس في 19 مايو 1927 بقرية البيروم التابعة لمحافظة الشرقية، وتخرج في كلية الطب بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا). ورغم أنه مارس مهنة الطب لفترة، فإن الأدب سرق قلبه، فاختار أن يجعل من الكتابة رسالته الحقيقية، مؤمنًا بأن الكلمة قد تكون أكثر تأثيرًا من الدواء.

 

جاء ظهوره في فترة كانت القصة القصيرة العربية تبحث فيها عن صوت جديد، فكان يوسف إدريس أحد أهم من منح هذا الفن شخصية مستقلة. لم يكن يكتب عن الأبطال الخارقين أو الطبقات الثرية، بل انحاز إلى الإنسان البسيط؛ الفلاح، والعامل، والموظف، وسكان الأحياء الشعبية، ليجعل منهم أبطالًا لأعماله.

 

تميز أسلوبه بالواقعية الصادقة، لكنه لم يكن يكتفي بنقل الواقع كما هو، بل كان يحاول كشف ما يختبئ خلفه من مشاعر وصراعات وأسئلة إنسانية. لذلك جاءت شخصياته نابضة بالحياة، تحمل الخير والشر، القوة والضعف، وتبدو أقرب إلى أشخاص نلتقي بهم كل يوم.

 

قدم يوسف إدريس عشرات المجموعات القصصية والروايات والمسرحيات والمقالات، ومن أشهر أعماله “أرخص ليالي”، و”جمهورية فرحات”، و”الحرام”، و”العيب”، و”النداهة”، و”البيضاء”، و”اللحظة الحرجة”. وتحولت بعض أعماله إلى أفلام سينمائية تركت أثرًا واضحًا في تاريخ السينما المصرية، بعدما نجحت في نقل قضايا المجتمع إلى الشاشة.

 

ولم يكن يوسف إدريس مجرد روائي أو قاص، بل كان أيضًا صاحب رأي وموقف، يثير الجدل أحيانًا، ويطرح أفكارًا جريئة حول المجتمع والثقافة والإبداع. لذلك ظل حاضرًا في الحياة الثقافية المصرية والعربية لعقود، سواء من خلال أعماله الأدبية أو مقالاته الفكرية.

 

ويجمع كثير من النقاد على أن يوسف إدريس لعب دورًا كبيرًا في تطوير القصة القصيرة العربية، حتى أصبح اسمه مرتبطًا بهذا الفن، واعتبره كثيرون أحد أبرز رواده في القرن العشرين، لما قدمه من تجارب إنسانية صادقة، ولغته التي جمعت بين البساطة والعمق.

 

رحل يوسف إدريس في الأول من أغسطس عام 1991، لكنه ترك تراثًا أدبيًا لا يزال حاضرًا بقوة، وتواصل أعماله جذب أجيال جديدة من القراء، لأنها لم ترتبط بزمن معين، بل انشغلت بالإنسان، وهمومه، وأسئلته التي لا تنتهي.

 

وربما كانت أعظم إنجازات يوسف إدريس أنه جعل الأدب قريبًا من الناس، وكتب عن الإنسان المصري دون تزييف أو مبالغة، فاستحق أن يبقى واحدًا من أهم الأدباء الذين أنجبتهم مصر، وأن يظل اسمه حاضرًا كلما جرى الحديث عن الأدب الذي ينبض بالحياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى