علي فايق زغلول.. صاحب “الغلط فين” و”مسرح المنوعات”

كتب/خطاب معوض خطاب
كان الراديو في زمن مضى أكثر من جهاز يقف في ركن البيت، فقد كان صديقًا للعائلة ونافذة يطل منها الناس على الدنيا، وموعدًا ينتظرونه بشغف. وفي ذلك الزمن عرفت الإذاعة المصرية أسماء كثيرة صنعت مجدها، ومن بينها الإذاعي علي فايق زغلول، الذي ارتبط اسمه في ذاكرة المستمعين بواحد من أشهر برامج المنوعات والمسابقات، وهو برنامج «الغلط فين»، الذي لم يكتفِ بجذب الجمهور إلى المذياع، وإنما جعله شريكًا في البحث عن الإجابة.
وُلد علي فايق زغلول في 11 مارس 1924، وبدأ حياته المهنية من بوابة الصحافة، حيث عمل محررًا في مجلة «الإذاعة»، قبل أن ينتقل إلى العمل الإذاعي عام 1948، ليبدأ رحلة طويلة مع الميكروفون قدم خلالها عددًا من البرامج التي تركت أثرًا لدى المستمعين، ومنها «برامج الهواة»، و«اخترت لكم»، و«الطائرة 727»، و«كلمة في خبر»، و«برامجنا في الميزان»، إلى جانب برنامجه الأشهر «الغلط فين».
كانت فكرة «الغلط فين» بسيطة في ظاهرها، لكنها شديدة الذكاء في تنفيذها، إذ كانت الحلقات تعتمد على مشاهد تمثيلية تتضمن معلومات أو أحداثًا خاطئة، وكان على المستمعين الانتباه جيدًا لاكتشاف هذه الأخطاء وتصحيحها، مع تقديم جوائز للفائزين. وبهذه الفكرة امتزجت المعلومة بالتمثيل والفكاهة والمسابقات، وأصبح المستمع طرفًا أساسيًا في البرنامج، لا مجرد شخص يجلس أمام الراديو ليستمع.
ولم يظل البرنامج محصورًا داخل استوديو الإذاعة، وإنما خرج إلى الناس، وطاف بالجامعات والمنشآت الشبابية والهيئات والأندية ومراكز الشباب، وأقيمت حلقاته في أماكن مختلفة، فتحول من برنامج إذاعي إلى لقاء جماهيري يجمع الناس حول المعرفة والفن والمرح.
وكان علي فايق زغلول واحدًا من الإذاعيين الذين أدركوا مبكرًا أهمية اكتشاف المواهب، فأتاح من خلال برامجه ومساحاته الإذاعية فرصًا أمام عدد من أصحاب الأصوات الجديدة في بدايات مشوارهم، ومن بينهم محمد رشدي، ومحمد العزبي، وماهر العطار، وكمال حسني، وأماني جادو، إلى جانب الفرقة الذهبية بقيادة الموسيقار صلاح عرام.
ولم تكن قيمة زغلول في تقديم هذه المواهب فحسب، وإنما في إيمانه بأن الموهبة تحتاج إلى فرصة حقيقية لكي تصل إلى الجمهور. وفي زمن لم تكن فيه وسائل الانتشار والترويج متاحة بالصورة التي نعرفها اليوم، كان ظهور مطرب شاب عبر ميكروفون الإذاعة المصرية فرصة قد تغير حياته وتفتح أمامه الطريق إلى الشهرة.
ومع النجاح الكبير الذي حققه «الغلط فين»، تطورت التجربة إلى «مسرح المنوعات»، الذي استمر قرابة خمسة وعشرين عامًا، حتى بعد بلوغ علي فايق زغلول سن المعاش، وهو ما يعكس حجم ارتباطه بهذا اللون من العمل الإذاعي، ومدى تعلق الجمهور بما كان يقدمه.
كان زغلول ينتمي إلى جيل من الإعلاميين الذين لم تكن علاقتهم بالميكروفون مجرد وظيفة تنتهي بانتهاء ساعات العمل، وإنما كانت تجربة إنسانية كاملة، تقوم على التواصل مع الناس والاقتراب منهم ومعرفة ما يحبونه، وفي الوقت نفسه منحهم شيئًا جديدًا يستحق الاستماع إليه.
وربما كان سر بقاء «الغلط فين» في ذاكرة المستمعين كل هذه السنوات أن البرنامج لم يعامل جمهوره باعتباره متلقيًا سلبيًا، بل خاطب ذكاءه وفضوله ورغبته في المشاركة. كان السؤال الذي حمله اسم البرنامج بسيطًا، لكنه جعل المستمع يدقق فيما يسمع، ويفكر، ويبحث عن الخطأ، ثم ينتظر لحظة إعلان الإجابة.
رحل علي فايق زغلول في 13 أكتوبر 1995، عن عمر ناهز 71 عامًا، بعد رحلة طويلة مع الإذاعة المصرية، لكن رحيله لم يضع نهاية لحكايته؛ فالأصوات التي ارتبطت بذكريات الناس لا تغيب بسهولة، والأسماء التي أسهمت في اكتشاف مواهب أصبحت فيما بعد جزءًا من تاريخ الفن المصري تظل حاضرة حتى بعد رحيل أصحابها.
يكفي أن يُذكر اسم «الغلط فين» أمام أبناء جيل الراديو حتى تستيقظ في الذاكرة صورة زمن كانت فيه الأسرة تجتمع حول المذياع، وينتظر المستمعون صوت علي فايق زغلول وهو يطرح سؤاله الشهير. لم يكن الرجل يقدم برنامجًا للمسابقة والترفيه فقط، وإنما كان يصنع حالة من المشاركة والبهجة، ويفتح في الوقت نفسه الباب أمام المعرفة والمواهب الجديدة.
وهكذا يبقى علي فايق زغلول واحدًا من أبناء الإذاعة المصرية الذين صنعوا حضورهم بالصوت والفكرة والقرب من الناس، وتركوا وراءهم ما هو أبقى من البرامج المسجلة؛ تركوا ذكريات في وجدان المستمعين، وأسماء لمواهب ساعدوا في تقديمها، وسيرة إذاعي عرف كيف يجعل من الميكروفون مساحة للمتعة والاكتشاف، وكيف يحول سؤالًا بسيطًا مثل «الغلط فين؟» إلى عنوان يعيش في ذاكرة أجيال.




