عايدة كامل.. فنانة من الزمن الجميل

كتب/خطاب معوض خطاب
في زمن كانت فيه الإذاعة تستطيع أن تجعل صوتًا واحدًا يعيش داخل بيوت ملايين المصريين، بدأت الفنانة عايدة كامل حكايتها مع الفن، قبل أن تعرفها عيون الجمهور على شاشة السينما والتليفزيون. لم تكن تعرف وقتها أن الصوت الذي يخرج من ميكروفون الإذاعة سيقودها إلى رحلة طويلة تمتد لعشرات السنين، وأنها ستقف يومًا أمام كاميرات السينما إلى جوار أسماء كبيرة، ثم تنتقل إلى التليفزيون لتصبح واحدة من الوجوه المألوفة في الدراما المصرية. وهي كانت من الفنانات اللاتي لم تصنع شهرتهن البطولة المطلقة، وإنما صنعتها القدرة على أن تجعل الشخصية التي تؤديها تبدو وكأنها إنسانة حقيقية نعرفها من حياتنا.

ولدت عايدة كامل في ثلاثينيات القرن العشرين، وبدأت علاقتها بالفن مبكرًا، فالتحقت بالمعهد العالي للتمثيل، وتخرجت عام 1954، وتتلمذت على أيدي كبار المسرح المصري، لكن المسرح لم يكن وحده طريقها، فقد دخلت عالم الإذاعة، وشاركت في برامج الأطفال مع الإذاعي الشهير محمد محمود شعبان «بابا شارو»، ثم واصلت طريقها في الإذاعة، وقدمت العديد من البرامج والمسلسلات. ومن الأعمال التي شاركت فيها عايدة كامل «عائلة مرزوق أفندي»، و«الأرملة واللص»، و«حارة ستي»، و«حبيبي خد بإيدي»، إلى جانب مشاركتها في «أغرب القضايا».

في خمسينيات القرن العشرين ظهرت في عدد من الأفلام، وبدأت رحلتها وسط نجوم كانت أسماؤهم وحدها كفيلة بأن تجعل الفيلم حدثًا ينتظره الجمهور. وشاركت في «ست الحسن»، و«ورد الغرام»، و«لحن الخلود»، و«دائمًا معاك»، و«الوسادة الخالية»، و«إسماعيل ياسين في الطيران»، و«موعد مع المجهول»، و«معجزة السماء»، و«رحمة من السماء»، و«رجال بلا ملامح»، و«الحب والصمت»، و«الأنثى والذئاب». وفي «الوسادة الخالية» وقفت إلى جوار عبد الحليم حافظ ولبنى عبد العزيز، وفي «لحن الخلود» ظهرت مع فريد الأطرش وفاتن حمامة، بينما شاركت إسماعيل ياسين في «إسماعيل ياسين في الطيران».

ومع انتشار الدراما التليفزيونية، أصبحت عايدة كامل من الوجوه التي تدخل البيوت المصرية بصورة متكررة، فشاركت في أعمال عديدة، منها «عيلة الدوغري»، و«على باب زويلة»، و«رفاعة الطهطاوي»، و«لا إله إلا الله»، و«القضاء في الإسلام»، و«بين القصرين»، و«قصر الشوق»، و«اللص الذي أحبه»، و«غاضبون وغاضبات». وفي «هوانم جاردن سيتي» قدمت شخصية «زبيدة هانم»، كما قدمت شخصية «أم مريم» في ثلاثية نجيب محفوظ، وظهرت في «عيلة الدوغري» بشخصية «شويكار شكري». واللافت في مشوارها أنها كانت تقدم المرأة الأرستقراطية، والأم، والزوجة، والمرأة البسيطة، والشخصية القوية، وأن تنتقل من شخصية إلى أخرى دون أن تشعر أن الفنانة نفسها تكرر ذاتها.
وربما لهذا السبب بقيت صورتها في الذاكرة، حتى بالنسبة إلى مشاهدين لم يعرفوا اسمها وقت ظهورها على الشاشة. فهي كانت من الفنانات اللاتي لا يسرقن المشهد، لكنهن يتركن فيه شيئًا. وبعيدًا عن الفن، تزوجت عايدة كامل من الفنان محمود عزمي عام 1960، وأنجبا ابنهما الدكتور هشام عزمي، الذي أصبح فيما بعد أمينًا عامًا للمجلس الأعلى للثقافة. وعلى الرغم من طول مشوارها، ظلت بعيدة عن صخب النجومية، واستمرت في تقديم أدوارها حتى كان مسلسل «أولاد الغالي» عام 2006 آخر أعمالها الفنية. وبعد سنوات من الابتعاد عن الأضواء، جاء يوم 7 سبتمبر 2020، لترحل عايدة كامل عن الدنيا.

رحلت صاحبة الصوت الذي عرفته الإذاعة، والوجه الذي عرفته السينما، والفنانة التي شاهدها جمهور التليفزيون في عشرات الأعمال. لكنها تركت وراءها شيئًا لا تستطيع السنوات محوه. رحم الله عايدة كامل، التي كانت واحدة من فنانات الزمن الجميل، التي عاشت للفن بهدوء، وتركت في ذاكرة جمهورها حضورًا أكبر بكثير من مساحة الأدوار التي لعبتها.




