الفنانة كريمان في ذكرى رحيلها الثالثة

كتب/خطاب معوض خطاب
لم تنتظر أن تخفت نجوميتها حتى تبتعد، ولم تغادر الفن بعد أن أغلقت الأبواب أمامها، بل فعلت العكس تمامًا؛ تركت كريمان عالم الأضواء وهي في أوج شهرتها وتألقها وجمالها، واختارت بإرادتها أن تعود إلى بيتها وأسرتها، وكأنها كانت تعرف أن هناك أشياء في الحياة أهم من الشهرة والنجومية. واليوم، في 12 سبتمبر 2026، تحل الذكرى الثالثة لرحيل الفنانة والمطربة كريمان، واحدة من أشهر فتيات الشاشة المصرية وأكثرهن حبًا وقربًا إلى قلوب المشاهدين. فقد كانت صاحبة طلة جميلة ومميزة، وملامحها جمعت بين البراءة والجمال والأنوثة والشقاوة وخفة الدم، ولذلك تركت حضورًا خاصًا في ذاكرة جمهورها، رغم أن مشوارها الفني لم يكن طويلًا.
ومن بين المشاهد التي لا تزال حاضرة في ذاكرة الجمهور مشهدها الشهير في فيلم «تمر حنة»، حين وصفتها الفنانة نعيمة عاكف بأنها «ماسخة»، فردت عليها كريمان بطريقتها التي لا تنسى قائلة: «يَايّ يَايّ يَا»، ليظل هذا المشهد واحدًا من المواقف الخالدة التي ارتبطت باسمها. ورغم أنها أصبحت نجمة معروفة وشاركت كبار نجوم السينما المصرية أفلامهم، فإن كريمان، التي عُرفت بأنها «سُكَّر السينما المصرية»، لم تكن من الفنانات اللاتي اندمجن في شلل الوسط الفني، فلم تكن لها صداقات فنية، ولم تكن تحضر سهرات الفنانين، وظلت بعيدة عن تلك الأجواء.
لكن اللافت أكثر في حكايتها أنها لم تتشبث بالشهرة، فعندما كانت في قمة نجوميتها اختارت أن تترك الفن وتتفرغ لرعاية أسرتها وبيتها وابنها، وفضلتهم على الشهرة والأضواء والنجومية. وكان ذلك في سنة 1965، وقبل أن تكمل ثلاثين عامًا من عمرها، ومنذ ذلك الوقت ابتعدت عن الصحافة ووسائل الإعلام، واختارت أن تعيش بعيدًا عن الأضواء. ولدت كريمان في 29 مايو سنة 1936 في الباشورة بلبنان، وهي فنانة مصرية لبنانية، فوالدها محمد سليم الأسطه كان لبنانيًا، وقضى جزءًا من حياته في تركيا قبل أن يستقر في مصر، أما والدتها فهي سيدة مصرية من أصول تركية. ونشأت كريمان وتعلمت في مدارس مصرية، منها مدرسة ماري بول ومدرسة الليسيه.
ومنذ طفولتها بدأت تعرف طريقها إلى الفن، فشاركت في العروض الفنية والغنائية بالمدرسة، ثم انضمت إلى ركن الأطفال بالإذاعة المصرية وعملت مع بابا شارو. وهناك شاهدها الموسيقار محمد عبد الوهاب، فأشاد بموهبتها وتنبأ لها بأنها ستصبح نجمة كبيرة في المستقبل، وهو ما حدث بالفعل عندما رشحتها المنتجة آسيا لبطولة فيلم «الحموات الفاتنات»، الذي جسدت فيه شخصية نبيلة، وكان عمرها وقتها لا يزيد على 17 سنة. وخلال سنوات قليلة استطاعت كريمان أن تقف أمام عدد كبير من كبار نجوم ونجمات السينما المصرية، فشاركت شادية وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش وأحمد رمزي وماجدة وإسماعيل ياسين وكمال الشناوي وإيمان ورشدي أباظة وشكري سرحان وتحية كاريوكا ومحسن سرحان ونعيمة عاكف ومريم فخر الدين وصلاح ذو الفقار وعمر الحريري وزكي رستم ومحمود المليجي وسراج منير وميمي شكيب وماري منيب وعبد السلام النابلسي وعبد المنعم إبراهيم وحسن فايق وعبد الفتاح القصري ومنير مراد ويوسف فخر الدين.
ولم تحصر نفسها في نوع واحد من الأدوار، فقدمت شخصيات مختلفة، منها الزوجة الصغيرة والموظفة والطالبة والفتاة الأرستقراطية والبريئة والشريرة والمجاهدة، وهو ما أظهر تنوعها وقدرتها على تقديم أكثر من شخصية رغم قصر سنوات عملها بالفن. ومن أشهر أفلامها السينمائية «بنات اليوم»، الذي جسدت فيه شخصية بثينة، و«تمر حنة» الذي جسدت فيه شخصية كوثر، و«علموني الحب» الذي قدمت فيه شخصية فوزية، و«مراتي مدير عام» في شخصية عايدة، و«سكر هانم» في شخصية سلوى، و«موعد مع إبليس» في شخصية نادية، و«جميلة بو حيرد» في شخصية حسيبة بنت القاضي حسيب، و«عرايس في المزاد» في شخصية نوال، بالإضافة إلى أفلام «الفانوس السحري» و«موعد مع إبليس» و«أمريكاني من طنطا» و«شباب اليوم» و«شهيدة الحب الإلهي» و«عفريت سمارة» و«الهاربة» وغيرها.
ولم تكن كريمان ممثلة فقط، بل كانت متعددة المواهب، فقد تلقت دروسًا في الموسيقى، وقامت بالغناء في عدد من الأفلام السينمائية. ومن أغنياتها في الأفلام «يا بحر» و«الأقيها منين ومنين»، اللتان قدمتهما في فيلم «عرايس في المزاد»، كما قدمت أغنية «بتهرب فين» في فيلم «موعد مع إبليس»، وقدمت أغنيات أخرى في فيلم «خالي شغل». كما قدمت عددًا من الأغنيات في الإذاعة المصرية، وكتب لها تلك الأغنيات كبار شعراء الأغنية المصرية، ومنهم فتحي قورة ومأمون الشناوي وجليل البنداري ومحمد علي أحمد وسيد مرسي وإمام الصفطاوي وعلي مهدي وغيرهم، كما قام بتلحينها عدد من كبار موسيقيي مصر، ومنهم محمد الموجي ومحمود الشريف وعزت الجاهلي وكمال الطويل وعلي إسماعيل وغيرهم.
ولم تتوقف رحلتها الفنية عند السينما والغناء، فقد انضمت كريمان إلى فرقة إسماعيل ياسين المسرحية، وكانت نجمة الفرقة الأولى لمدة 3 سنوات، قدمت خلالها عددًا من المسرحيات، منها «عمتي فتافيت السكر» و«منافق للإيجار» و«كناس في جاردن سيتي».
كما قدمت مسرحية تليفزيونية مع الفنان يوسف وهبي بعنوان «عريس في علبة»، بالإضافة إلى مسرحية «حركة واحدة أضيعك» مع الفنان سيد زيان، وشاركت في فيلم تليفزيوني بعنوان «جرس نص الليل»، ومسلسل تليفزيوني قصير هو «كدبة ونص».
وبعد كل هذا المشوار، اختارت أن تغادر عالم الفن في وقت كان يمكن أن تستمر فيه سنوات أخرى، وأن تترك خلفها الشهرة والأضواء وهي في أوج تألقها، لتتفرغ لأسرتها وحياتها الخاصة، ثم تعيش بعيدًا عن الصحافة والإعلام. ورحلت كريمان في 12 سبتمبر 2023، لتغيب عن الدنيا، بينما بقيت صورتها في ذاكرة جمهورها كما عرفها: فتاة الشاشة الجميلة، خفيفة الظل، متعددة المواهب، صاحبة الحضور المميز، و«سُكَّرْ السينما المصرية» التي اختارت أن تهجر الأضواء بإرادتها، لكنها لم تهجر ذاكرة محبيها.




