الموسيقار بليغ حمدي.. عبقري النغم في ذكرى وفاته

كتب/خطاب معوض خطاب
هناك ألحان نسمعها فنطرب، وألحان نسمعها فنحفظها، وألحان أخرى لا نكتفي بسماعها، وإنما تصبح جزءًا من ذاكرتنا، ترتبط بأيام عشناها وأشخاص أحببناهم ومواقف لا ننساها. ومن بين هؤلاء الذين استطاعوا أن يجعلوا اللحن يعيش داخل الناس، يأتي بالتأكيد اسم بليغ حمدي الذي توفي في مثل هذا اليوم منذ 33 عاما، والحقيقة أنه لم يكن يكتب النغمات فقط، وإنما كان يعرف كيف يحول الكلمات إلى إحساس، والصوت إلى حكاية، والأغنية إلى ذكرى تبقى مهما مرت السنوات. ولعل سر بليغ حمدي لم يكن في كثرة ما قدمه فقط، وإنما في قدرته النادرة على أن يجعل ألحانه تبدو وكأنها خرجت من داخل الكلمات نفسها، وكأن اللحن كان موجودًا منذ البداية وينتظر من يكتشفه. ولذلك لم يكن غريبًا أن يرتبط اسمه بأصوات كبار المطربين، وأن تظل أعماله حاضرة في وجدان أجيال متعاقبة حتى بعد رحيله.

لم يكن بليغ مجرد ملحن يضع ألحانًا للمطربين، وإنما كان واحدًا من أبرز المجددين في الموسيقى والغناء العربي في النصف الثاني من القرن العشرين، وترك وراءه رصيدًا فنيًا ضخمًا، وكانت علاقته بالغناء المصري قائمة على فهم عميق لطبيعة الصوت والكلمة؛ لذلك لم يكن اللحن عنده منفصلًا عن المطرب الذي يؤديه، ولا عن الكلمات التي اختارها، وإنما كان يصنع لكل أغنية عالمها الخاص. ومع عبد الحليم حافظ، قدم عددًا من الأعمال التي أصبحت من علامات الغناء المصري، بينما كان تعاونه مع وردة الجزائرية واحدًا من أشهر التجارب الفنية في حياته، وارتبط اسمه كذلك بألحان غنتها أم كلثوم، التي تعاون معها في عدد من الأغنيات المهمة، بينما تُعَدُّ تجربة تلحينه للشيخ سيد النقشبندي واحدة من التجارب المتفردة في تاريخه الفني.

ولم يكن بليغ حمدي أسيرًا لنوع واحد من الموسيقى، فانتقل بين الأغنية العاطفية والوطنية والشعبية والدينية، واستطاع أن يستفيد من روح الموسيقى المصرية الشعبية ومن التطور الذي شهدته الأغنية العربية، دون أن يفقد هويته الخاصة. ومن اللافت أن اسمه ارتبط أيضًا بالأغنية الوطنية في واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ مصر الحديث، حين احتاج المصريون بعد نكسة 1967 إلى أصوات وألحان تمنحهم شيئًا من الأمل والقدرة على الاستمرار، فكان الفن جزءًا من الحالة العامة التي عاشتها البلاد، وكانت الأغنية واحدة من وسائل التعبير عن مشاعر الناس. وقد لعبت أم كلثوم نفسها دورًا بارزًا في دعم المجهود الحربي من خلال حفلاتها، في صورة تعكس المكانة التي احتلها الفن في تلك المرحلة.

وإذا كان البعض يتذكر بليغ من خلال أغنية شهيرة أو لحن خالد، فإن الأهم في تجربته أنه لم يكن يكرر نفسه، بل كان يبحث دومًا عن مساحات جديدة يمكن أن يتحرك فيها. ولهذا نجح في الوصول إلى أصوات مختلفة، لكل منها شخصيتها ومدرستها، وظل اسمه حاضرًا بين أسماء كبار صناع الأغنية المصرية. وكان أيضًا من الملحنين الذين آمنوا بأن للموسيقى شخصيتها المستقلة، وأن المطرب لا يصنع الأغنية وحده، وإنما تتكامل فيها أدوار الشاعر والملحن والموزع والمطرب. وتكشف بعض الكتابات عن رؤيته لأهمية دور الملحن باعتباره فنانًا خلاقًا لا يقل دوره عن دور صاحب الصوت الذي يؤدي العمل.
وربما لهذا السبب ظل بليغ حمدي حاضرًا بعد رحيله؛ فالألحان الحقيقية لا تموت بانتهاء أصحابها، وإنما تنتقل من جيل إلى جيل، وكلما أعاد مطرب شاب تقديم لحن من ألحانه اكتشف المستمعون أن الموسيقى الجميلة لا تشيخ. رحل بليغ حمدي، لكن ألحانه بقيت؛ بقيت في أصوات كبار المطربين، وفي ذاكرة الذين عاشوا زمنها، وفي آذان أجيال لم تعش ذلك الزمن أصلًا، لكنها وجدت نفسها تردد أغنياته وتحفظ ألحانه. وربما أجمل ما يمكن أن يقال عن بليغ حمدي أن الزمن لم يستطع أن يأخذ منه ما أخذه من كثيرين؛ فقد غاب صاحبه وبقي صوته، وانتهت حياته وبقيت ألحانه، وتغيرت الأجيال وما زال اللحن البليغي قادرًا على أن يجد طريقه إلى القلب.
فبليغ حمدي لم يترك لنا ألحانًا نسمعها فقط، وإنما ترك جزءًا من وجدان مصر؛ ترك موسيقى عاشت مع أفراح الناس وأحزانهم، ومع الحب والفراق والانتصار والانكسار. ولذلك فإن الحديث عنه ليس حديثًا عن ملحن رحل، بقدر ما هو حديث عن زمن كامل كان فيه اللحن المصري قادرًا على أن يصنع حالة، وأن يعيش في الذاكرة، وأن يظل حاضرًا حتى بعد أن يصمت صوت صاحبه. وهكذا بقي بليغ حمدي واحدًا من أولئك الفنانين الذين لا يحتاجون إلى أن تسأل: أين أعمالهم؟ لأن أعمالهم موجودة حولنا وفي داخلنا، وكلما عُزِفَ لحن من ألحانه، عاد الرجل للحظة، وعاد معه زمن جميل، وأثبتت الموسيقى مرة أخرى أن بعض الفنانين يرحلون بأجسادهم، لكنهم لا يرحلون من ذاكرة الناس.




