ثقافة وفن

«حكاوي القهاوي»: سيمفونية رمضان التي أعادت اكتشاف الروح المصرية الأصيلة

في ليالي رمضان الذهبية، حيث تتناغم عبق الذكريات مع بريق الحاضر، لم يكن برنامج «حكاوي القهاوي» مجرد برنامج رمضاني عابر، بل كان أشبه بسيمفونية متكاملة، عزفت على أوتار الروح المصرية الأصيلة، لتُعيد اكتشاف كنوز شارعنا المصري ونسيجه الاجتماعي الثري. لقد تحولت المقاهي، تلك البوتقات التي تلتقي فيها الأفكار والأحلام، إلى شاشة سحرية، تحكي سيرة مصر بكل ما فيها من عراقة وأصالة، في ظاهرة تلفزيونية فريدة، تركت بصمة لا تُمحى في وجدان الأجيال التي عاصرتها في التسعينيات وأوائل الألفية.

لم تكن «سامية الأتربي» مجرد مذيعة، بل كانت الدليل الأمين إلى «مصر الحقيقية»، بوجهها الهادئ الذي يبعث على الطمأنينة، وحواراتها العفوية التي كأنها جلسة ودية على أحد المقاهي الشعبية، بعيداً عن صخب الأضواء وتكلف الكاميرات. لقد امتلكت الأتربي مفتاح القلب المصري، فخرجت اللقاءات صادقة، كاشفة عن معدن المواطن المصري الأصيل، الذي يعتز بمهنته، ويتشرف بجذوره، ويفتخر برواده الأوائل.

خلف الكواليس، كان المهندس يحيى تادرس ينسج رؤية مغايرة، رؤية تنتصر للشارع، للبسطاء، وتعيد الاعتبار لحكاياتهم التي طالما ظلت بعيدة عن الأضواء. بدأت الفكرة كاستضافة لبعض الفنانين والسياسيين على مقهى «قشتمر» الشهير بالظاهر، المكان الذي ارتبط باسم عميد الرواية العربية نجيب محفوظ، لكنها سرعان ما تبلورت لتصبح احتفاءً بالشارع المصري بأكمله، فصارت مصر كلها «مقهى كبيراً» تدور فيه الحكايات، من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب.

برنامج «حكاوي القهاوي» لم يغص في الحاضر فحسب، بل عاد بنا إلى الجذور، مستعرضاً تطور بعض العادات الممتدة منذ عهد المماليك، ومسلّطاً الضوء على نماذج من العصاميين، بأسمائهم البسيطة ومهنهم المتوارثة، الذين احتسوا الشاي واستعادوا ذكرياتهم في أجواء دافئة. كان الحوار هو البطل الأوحد، بسيطاً، مباشراً، خالياً من التكلف، وكأنه حديث بين صديقين حميمين، يؤكد صدق التجربة وعفويتها.

شهد البرنامج استضافة شخصيات فنية وشعبية متنوعة، من الريس متقال وأمين الهنيدي، إلى فرق شعبية عريقة مثل فرقة حسب الله، وموسيقيين شعبيين، وأصحاب حرف قديمة ربما اندثر بعضها مع مرور الزمن. هذا المزيج الفريد بين الفن والحرفة، بين المشاهير والبسطاء، قدم بانوراما اجتماعية حقيقية، أعادت الاعتبار لمهن هامشية وقصص لم تجد طريقها إلى النور من قبل.

التزاماً صارماً باسم البرنامج، صُورت جميع الحلقات داخل المقاهي، وإن تعذر ذلك، خلق فريق العمل أجواء المقهى في الشارع، بمنضدة صغيرة، كرسيين من الخيزران، وبراد شاي يتصاعد منه البخار، ليحافظوا على الروح الأصيلة للفكرة. وكانت كل حلقة تبدأ بمقدمة زجلية مبتكرة، تضيف لمسة فنية وشعبية تؤكد هوية البرنامج القائمة على البساطة والتلقائية.

  • الروح المصرية الأصيلة: البرنامج جسد روح الشارع المصري وعاداته وتقاليده.
  • فكرة مبتكرة: تحويل المقاهي إلى منصة لسرد الحكايات المصرية.
  • مقدمة البرنامج: كانت سامية الأتربي الواجهة الهادئة والمحفزة للحوارات الصادقة.
  • الرؤية الإنتاجية: يحيى تادرس صاحب الرؤية التي انتصرت للبسطاء وحكاياتهم.
  • الاختيار المكاني: مقهى «قشتمر» بالظاهر كان نقطة الانطلاق.
  • محتوى ثري: استعراض للتاريخ، العادات، نماذج العصاميين، وقصص أصحاب الحرف.
  • مزيج الضيوف: مشاركة فنانين، شخصيات شعبية، فرق موسيقية، وأصحاب حرف.
  • روح المقاهي: الالتزام بتصوير الحلقات في أجواء المقاهي الأصيلة.
  • البصمة الفنية: المقدمات الزجلية التي أضافت بعداً فنياً للبرنامج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى