ثروت عكاشة.. رجل دولة بنى ثقافة مصر الحديثة ومشروع فكري لا يزال نابضاً

في ذكرى رحيله، لا نستحضر اسماً في سجل الوزراء، بل نستحضر مشروعاً فكرياً وثقافياً غير ملامح الحياة الثقافية في مصر. الدكتور ثروت عكاشة، وزير الثقافة الأسبق، رحل عن عالمنا، لكن البنية التي أسسها ما زالت قائمة، والوعي الذي زرعه لا يزال ممتداً عبر الأجيال. آمن عكاشة بأن الثقافة ليست زينة دولة، بل روحها الحقيقية، وأن بناء الإنسان هو جوهر النهضة.
ولد ثروت عكاشة بالقاهرة عام 1921 في أسرة تهتم بالعلم والمعرفة، وشقيق الدكتور أحمد عكاشة أستاذ الطب النفسي. حصل على بكالوريوس العلوم العسكرية، ثم واصل دراسته لينال الماجستير في الصحافة والدكتوراه في الآداب من جامعة السوربون. جمع بين الانضباط العسكري والانفتاح الفني، فكانت شخصيته مزيجاً نادراً من الصرامة والرؤية الثقافية العميقة.
تقلد عكاشة العديد من المناصب الرفيعة قبل وبعد توليه وزارة الثقافة، بدءاً من عمله كضابط بالقوات المسلحة، مروراً برئاسته لتحرير مجلة التحرير، وعمله كملحق عسكري وسفير في عدة عواصم أوروبية. وتولى وزارة الثقافة والإرشاد القومي في فترتين مهمتين، بالإضافة إلى رئاسته للمجلس الأعلى للفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، ومجلس إدارة البنك الأهلي المصري. كما شغل منصب نائب رئيس اللجنة الدولية لإنقاذ مدينة البندقية، وأستاذاً زائراً بالكوليج دو فرانس.
خلال فترتيه الوزاريتين، حول عكاشة الثقافة من نشاط متفرق إلى منظومة متكاملة، مؤسساً لأكاديمية الفنون ومعاهدها المتخصصة، وداعماً للهيئة العامة لقصور الثقافة، وإطلاق معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 1969. كما أنشأ فرقاً فنية مرموقة ودشن مشروع الصوت والضوء بالمواقع الأثرية، مؤكداً أن الثقافة حق عام.
تُعد ملحمة إنقاذ آثار النوبة، بقيادته لحملة دولية بالتعاون مع منظمة اليونسكو لإنقاذ معابد أبو سمبل وآثار فيلة، من أعظم عمليات حماية التراث في القرن العشرين، ليصبح اسمه رمزاً لملحمة ثقافية ذات بعد إنساني عالمي.
لم يكن عكاشة مجرد قيادي إداري، بل كان مفكراً موسوعياً غزير الإنتاج، أصدر أكثر من سبعين كتاباً، أبرزها مذكراته وموسوعته الكبرى «العين تسمع والأذن ترى» التي تعد من أضخم الموسوعات العربية في تاريخ الفنون. كما أصدر موسوعات قيمة في فنون عصر النهضة والفنون الإسلامية، وترجم أعمالاً أدبية عالمية.
حصل عكاشة على جوائز عديدة، منها أوسمة فرنسية رفيعة، وميداليات اليونسكو تقديرًا لجهوده في إنقاذ آثار النوبة، وجوائز الدولة التقديرية.
ودع العالم الدكتور ثروت عكاشة في 27 فبراير 2012 عن عمر ناهز 91 عاماً، تاركاً إرثاً ثقافياً عظيماً. لم يكن وزيراً عابراً، بل صانع رؤية، أدرك مبكراً أن الثقافة قوة تحفظ الهوية وتفتح أبواب المستقبل، ويبقى اسمه علامة فارقة في تاريخ مصر الثقافي، ورمزاً للمثقف الذي جمع بين الفكر والإدارة، فاستحق أن يذكر بوصفه أحد أهم بناة الثقافة الحديثة في مصر.
أبرز الإنجازات والمناصب:
- تأسيس: أكاديمية الفنون ومعاهدها المتخصصة.
- دعم: الهيئة العامة لقصور الثقافة ونشر بيوت الثقافة في المحافظات.
- إطلاق: معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 1969.
- إنشاء: فرق فنية مثل فرقة باليه أوبرا القاهرة والفرقة القومية للفنون الشعبية.
- تدشين: مشروع الصوت والضوء بالمواقع الأثرية.
- قيادة: الحملة الدولية لإنقاذ آثار النوبة بالتعاون مع اليونسكو.
- تولي: وزارة الثقافة في فترتين (1958-1962) و (1966-1970).
- منصب: رئيس المجلس الأعلى للفنون والآداب والعلوم الاجتماعية.
- مؤلف: أكثر من سبعين كتاباً، منها موسوعات فنية وتاريخية كبرى.




