ثقافة وفن

سيد درويش.. عامل البناء الذي أصبح فنان الشعب

 

كتب/خطاب معوض خطاب

 

 

ربما يصعب على من يسمع اليوم ألحان سيد درويش أن يتخيل أن صاحب هذه الألحان كان في بداية حياته يعمل عاملًا في البناء، وأن صوته الذي أصبح فيما بعد واحدًا من أشهر الأصوات والألحان في تاريخ الفن المصري، كان يخرج ذات يوم من بين عمال البناء في الإسكندرية. لكن هذه هي حكاية السيد درويش البحر، الذي عاش سنوات قليلة، إلا أن ما صنعه خلالها كان أكبر بكثير من عمره.

 

ولد سيد درويش في 17 مارس 1892 بحي كوم الدكة في الإسكندرية، ونشأ في أسرة بسيطة، وفقد والده وهو لا يزال طفلًا، فاضطر إلى مواجهة ظروف الحياة مبكرًا. ولم تكن أمامه في البداية طرق سهلة تقوده إلى عالم الفن، فعمل في مهن مختلفة، من بينها العمل في البناء، وكان يغني أثناء عمله، حتى لفت صوته وموهبته أنظار من عرفوا قيمته.

 

وكان من بين هؤلاء الأخوان أمين وسليم عطا الله، اللذان اكتشفا موهبته وسافرا به إلى بلاد الشام، وهناك بدأت صفحة جديدة في حياته. فقد تعرف إلى الموسيقى بصورة أوسع، واحتك بأهلها، واستفاد من الشيخ عثمان الموصلي، أحد كبار الموسيقيين في ذلك العصر، وعندما عاد إلى مصر كان يحمل بداخله طموحًا أكبر من مجرد أن يكون مطربًا.

 

كانت موهبته الحقيقية تتجه إلى التلحين، وسرعان ما أثبت أنه يمتلك شخصية موسيقية مختلفة. وعندما جاء إلى القاهرة عام 1917، وجد المسرح الغنائي في أوج نشاطه، فبدأ يلحن للفرق المسرحية، وتعاون مع عدد من نجوم المسرح في ذلك الوقت، وأصبح اسمه معروفًا في فترة قصيرة.

 

لكن سيد درويش لم يكتف بأن يصنع ألحانًا جميلة، وإنما كان ينظر حوله. كان يرى العمال في مواقع البناء، وأصحاب الحرف في ورشهم، والباعة في الشوارع، ويسمع كلام الناس وطريقة حديثهم، ويشعر بما يمر به المجتمع من تغيرات. ولذلك جاءت موسيقاه قريبة من الناس، وكأنها خرجت من الشارع المصري نفسه.

 

وهنا تكمن أهمية سيد درويش، فهو لم يكن مجرد ملحن يضع ألحانًا للمطربين، وإنما كان واحدًا من الذين نقلوا الموسيقى المصرية إلى مساحة جديدة، وجعلوا اللحن أكثر التصاقًا بالكلمة والموقف والشخصية، وأعطى للأغنية الشعبية والوطنية والمسرح الغنائي مكانة مختلفة.

 

وفي السنوات التي سبقت ثورة 1919 وأثناءها، كان المجتمع المصري يعيش حالة من الغليان الوطني، ولم يكن الفن بعيدًا عن ذلك، فظهرت ألحان سيد درويش الوطنية، وأصبح صوته وألحانه جزءًا من المشهد العام. ومن أشهر ما ارتبط باسمه «قوم يا مصري»، كما ارتبط اسمه بنشيد «بلادي بلادي»، الذي كتب كلماته محمد يونس القاضي، وأصبح فيما بعد النشيد الوطني المصري.

 

ولم يكن سيد درويش ينسى الإنسان البسيط، ولذلك قدم ألحانًا تعبر عن العمال وأصحاب المهن، ومن أشهر أعماله في هذا السياق ما ارتبط بالحرفيين والعمال، وهو أمر كان جديدًا في طريقة التعامل مع الموسيقى في ذلك الزمن؛ فالفنان لم يعد يغني فقط عن الحب والسهر والهوى، وإنما أصبح قادرًا على أن يجعل من حياة الناس اليومية مادة فنية.

 

وفي الوقت نفسه، كان المسرح أحد أهم المجالات التي أظهر فيها عبقريته، فلحن عددًا كبيرًا من الأعمال المسرحية، وتعاون مع فرق مسرحية مختلفة، ومن أشهر الأعمال التي ارتبطت باسمه «العشرة الطيبة»، إلى جانب أعمال أخرى قدمها لفرق نجيب الريحاني وعلي الكسار وجورج أبيض.

 

أما ألحانه التي بقيت حاضرة في وجدان الناس، فمن بينها «الحلوة دي» و«أنا هويت» و«زوروني كل سنة مرة»، وهي ألحان تكشف عن قدرة سيد درويش على تقديم موسيقى تصل إلى الناس من أقصر طريق، فلا تحتاج إلى تعقيد حتى تكون عميقة، ولا إلى كلمات كثيرة حتى تترك أثرًا.

 

لكن أكثر ما يثير الدهشة في حكايته أن كل هذا العطاء تحقق في سنوات قليلة للغاية. ففي 15 سبتمبر 1923، رحل سيد درويش في الإسكندرية حسبما هو مكتوب على شاهد قبره، وكان عمره 31 عامًا فقط. 31 عامًا كانت كافية لكي يترك خلفه تراثًا موسيقيًا كبيرًا، وأن يصبح اسمه علامة فارقة في تاريخ الموسيقى المصرية. ولو أن العمر امتد به سنوات أخرى، فربما كنا أمام صفحات أخرى من الإبداع، لكن القدر لم يمهله.

 

رحل سيد درويش، بينما بقيت ألحانه، وبقي تأثيره في أجيال جاءت بعده. والأهم أنه ترك وراءه صورة الفنان الذي لم ينفصل عن الناس، ولم ينظر إلى الفن باعتباره وسيلة للشهرة فقط، وإنما جعله وسيلة للتعبير عن المجتمع والوطن والإنسان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى