مقالات

القوة الناعمة والانتماء في مصر المبدعة بقلم هبه صالح

 

سمعنا ونحن صغار الكثير من الأغاني الوطنية التي تأثرنا بها، وظلت محفورة في ذاكرتنا.

وذات يوم، حين فتحتُ الراديو، استوقفتني أغنية «عاش عاش» بكلماتها الحماسية التي كتبها الشاعر محمد حمزة، ولحنها الموسيقار صاحب الموهبه الجبارة بليغ حمدي، وأدّاها العندليب عبدالحليم حافظ مطرب كل العصور

عاش اللي قال الكلمة… بحكمة وفي الوقت المناسب

عاش اللي قال لازم… نرجع أرضنا من كل غاصب

عاش العرب اللي في ليلة… أصبحوا ملايين تحارب

عاش اللي قال… للرجال عدّوا القنال

عاش اللي حوّل… صبرنا حرب ونضال

عاش اللي قال… يا مصرنا مافيش محال

عاش ليكي ابنك… عاش اللي حبك

رد اعتبارك خلّى… نهارك… أحلى نهار

ما أجمل هذه الكلمات التي تحمل في طياتها قوة الإيمان والحماس والصبر والتحدي والأمل وتحفز كل شاب وجندى ومحارب ومخلص وصاحب قرار فى رفعة وحرية الوطن .

وتلتها أغنية (أم البطل) للصابرة على فراق ابنها الشهيد المطربة شريفة فاضل، وأغنية (الأرض بتتكلم عربي) التي قدمها كورال ليبيا، وغيرها من الأعمال التى تربت عليها أجيال كاملة

فالأغنية الوطنية ليست مجرد لحن وكلمات، بل هي قوى ناعمه تساعد بشكل كبير فى ترسيخ الانتماء لتاريخنا وثقافتنا وتراثنا .

ويظل الشباب والأجيال الجديدة أكثر من يتأثر بها، إذ تغرس فيهم حب الوطن، والتمسك بالأرض، وتعزز لديهم قيم الولاء والتفاني والانضباط والإخلاص والتضحية، بطريقة بسيطة وبدون إجبار او حشو عقلى لهم فهذا إسلوب القوى الناعمة

فهذ الأغاني تساهم بشكل ملحوظ في تشكيل الوعي القيمي لدى الشباب، إذ تزرع فيهم معاني الاحترام والعدل والمساواة والحرية، وتمنحهم إدراكًا أكبر لتضحيات من سبقوهم من أجل رفعة الوطن. إنها كلمات تعيش عبر الزمن، وتتحول إلى جزء من ذاكراتنا الجمعية

فيشهد التاريخ على مسيرة طويلة من الإبداع الغنائي الوطني، ومن بين أهم هذه الاغانى ( قوم يا مصرى )

قوم يا مصري

مصر دايماً بتناديك

خد بنصري

نصري دين واجب عليك

ما اجمل هذه الكلمات التى كتبها الشاعر يونس القاضي، ولحنها الموسيقار الكبير احد رواد الاغانى الوطنية سيد درويش، جاءت هذه الأغنية في أعقاب ثورة 1919 ضد الاحتلال البريطاني، وهي الثورة التي مثّلت لحظة فارقة في تاريخ المصريين، حين خرج الشعب كله مطالبًا بالاستقلال والحرية.

فكلماتها كانت اول نداء مباشر للنهوض والعمل، ودعوة واضحة للمصريين أن يتركوا حالة الخمول والكسل ويبدأوا مرحلة البناء والمقاومة.

كلماتها بسيطة لكنها عميقة، قادرة على الوصول إلى كل فئات المجتمع، فكانت تُغنّى في الشوارع والمسرح، وتتحول إلى شعار لحالة وطنية عامة.

ومرت بمحمد عبدالوهاب الذى لحن ملحمة اوبريت ( وطنى الأكبر ) وصولًا إلى أجيال متعاقبة عبّرت عن روح كل عصر.

فقد اختلفت نبرة الأغنية الوطنية باختلاف المراحل التاريخية، منذ عهد الملك فاروق،

ثم ثورة 23 يوليو 1952، مرورًا بعصر جمال عبد الناصر والسادات، وحتى مراحل لاحقة شهدتها البلاد.

ورغم اختلاف الأزمنة، ظل للفن دور القوة الناعمة التي تعبّر عن مشاعر الناس وترسم عشق الوطن فى قلوبهم عبر كلمات ولحن وتوزيع يصل مباشرة اليهم ، خاصة حين يُقدَّم بصدق ووعي

لذلك، فإن هذه الأغاني لا تزال تؤثر في وجداننا جميعًا، وقادرة على أن تلعب دورًا مهمًا في ترسيخ هويتنا الثقافية والوطنية والانتماء لدى الأجيال الجديدة.

ومن هنا تأتي أهمية إعادة إحيائها وتقديمها بطريقة عصرية تناسب فكر هذه الأجيال التى نشأت على موسيقى المهرجانات والراب ونشرها عبر وسائل الإعلام الحديثة ومنصات التواصل الاجتماعي، وكذلك إعادة التغنى بها داخل المدارس والجامعات، لتظل حاضرة في وعي الشباب، وتنافس ما يقدم من محتوى ضعيف وكلمات لاتمثلنا ولا تعبر عن واقعنا .

وختاما، ستبقى الأغنية الوطنية أكثر من مجرد عمل فني؛ إنها ذاكرة أمة ناضل ابناؤها لحريتها ، وصوت وانين امهات فقدوا ابنائهم لا يخبو مع الزمن.

لقد عاشت هذه الأغاني معنا، وشكّلت جزءًا من وعينا، وربطتنا بجذورنا وقصص بطولاتنا، ومنحتنا في أوقات الضعف قوة و الأمل .

لذلك فإن الحفاظ عليها ليس ترفًا، بل ضرورة لبناء أجيال تدرك قيمة العمل من اجل الوطن، وتعي أن ما نعيشه اليوم هو امتداد لتضحيات عظيمة لأبناء هذه الارض .

تعليق واحد

  1. مقال رائع جدا يستحق الثناء والتقدير معني احياء التراث ولو بمجرد لحن او اغنيه حفرت كلماتها بداخلنا وعشنا معها معاني الانتماء للوطن بلحظاته الحلوه والمره انما هو دليل علي قوه المشاعر المرتبطه بوطننا الغالي والتي ستظل معنا الي الابد
    وواجبنا نقل وغرس معاني الانتماء الي الاجيال الحاليه التي لم تعاصر ذلك وخصوصا الابتاء والذي يعتبر بمثابه رساله ايجابيه متعدده الاغراض واولها معني قيمه الوطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى