ثقافة وفن

الفنان عدلي كاسب.. من ورش الهندسة إلى أضواء الفن

 

كتب/خطاب معوض خطاب

 

 

هناك فنانون يكفي أن يظهروا لثوانٍ معدودة على الشاشة حتى يتركوا أثرًا لا يزول، وهناك آخرون تستطيع أن تشاهدهم في أدوار متناقضة تمامًا، فلا تكاد تصدق أن الممثل نفسه هو الذي قدم هذه الشخصية وتلك. ومن هؤلاء الفنان عدلي كاسب الذي رحل عن الدنيا في مثل هذا اليوم منذ 48 سنة، والذي لم يكن مجرد ممثل يجسد ما يُسند إليه من أدوار، وإنما كان صاحب قدرة لافتة على التلون والتقمص، حتى استحق لقب «الفنان ذو الألف وجه»، لأنه استطاع أن ينتقل ببراعة بين أدوار الخير والشر، وبين الكوميديا والجد، وبين شخصية الباشا والرجل البسيط، دون أن يفقد في أي منها حضوره الخاص.

 

ولد عدلي عبد الحميد كاسب في 21 أبريل 1918 بحي مصر القديمة في القاهرة، وتحديدًا بمنطقة فم الخليج، وارتبط بالفن منذ طفولته، فشارك في فريق التمثيل المدرسي، وكان يتابع عروض الفرق المسرحية المختلفة. لكنه لم يبدأ حياته العملية ممثلًا، بل تخرج في مدرسة الفنون والصنايع، ثم عمل مدرسًا في كلية الهندسة بإدارة الورش لمدة 12 عامًا، وكان إلى جانب عمله مهتمًا بالنشاط الرياضي، حيث كان لاعبا بارزا في رياضة رفع الأثقال كما مارس السباحة وكمال الأجسام.

 

ورغم أن حياته العملية كانت تسير في طريق الرياضة والتدريس بورش كلية الهندسة، إلا أن شغفه القديم بالتمثيل ظل يلاحقه، حتى التحق بالمعهد العالي للتمثيل، وتخرج فيه في بدايات خمسينيات القرن العشرين، لتبدأ مرحلة جديدة من حياته، اختار فيها أن يترك العمل الهندسي ويتفرغ للفن، مستفيدًا مما تعلمه على أيدي أساتذة المسرح في تلك الفترة. وتنقل رحمه الله بين عدد من الفرق، فعمل مع فرقة المسرح الحديث، ثم فرقة إسماعيل ياسين، وبعدها انضم إلى فرقة نجيب الريحاني، التي ظل يعمل معها سنوات، وشارك في عدد من العروض المسرحية، من بينها «إلا خمسة» و«حسن ومرقص وكوهين».

 

لكن السينما كانت المجال الذي عرفه من خلاله الجمهور على نطاق أوسع. وعلى امتداد سنوات طويلة قدم عدلي كاسب عددًا كبيرًا من الأفلام، وأثبت أنه ليس من أولئك الفنانين الذين يمكن وضعهم داخل قالب واحد. حيث لعب أدوارًا متنوعة، وظهر في صورة الرجل القوي، والشرير، والأب، والموظف، والرجل العادي، والشخصية الكوميدية، وغيرها من الشخصيات التي كان يمنح كل واحدة منها ملامحها الخاصة. والحقيقة أن ملامحه وأدواته التمثيلية سمحتا له بأن يكون مقنعًا في الشخصيات المتباينة؛ فلم يكن حضوره مرتبطًا بنوعية واحدة من الأدوار، ولم يسجن نفسه في شخصية الشرير مثلًا، رغم أن الجمهور قد يتذكر له بعض الشخصيات القوية أو القاسية.

 

ومع بداية عصر التليفزيون المصري، انتقل عدلي كاسب إلى الشاشة الصغيرة، وشارك في عدد من الأعمال التليفزيونية، من بينها «الدوامة» و«المجهول» و«العشرة الطيبة»، وواصل العمل حتى سنواته الأخيرة، وكان من بين أعماله الأخيرة مسلسل «أحلام الفتى الطائر» مع عادل إمام. وهكذا امتدت رحلة عدلي كاسب الفنية من المسرح إلى السينما ثم التليفزيون، وظل خلالها واحدًا من هؤلاء الفنانين الذين لا تقاس قيمتهم بعدد البطولات التي حصلوا عليها، وإنما بقدرتهم على منح العمل روحًا، والشخصية ملامح، والمشهد حضورًا. حيث كان من طراز الممثلين الذين يستطيعون أن يخدموا البطولة دون أن يبحثوا عن البطولة لأنفسهم، ولذلك بقي اسمه حاضرًا في ذاكرة أجيال متعاقبة من المشاهدين رغم مرور السنوات.

 

وفي 13 سبتمبر 1978، رحل عدلي كاسب عن الدنيا عن عمر ناهز 60 عامًا، إثر أزمة قلبية، لتنتهي رحلة فنان عاش حياته بين أكثر من عالم، لكنه ترك بصمته في كل عالم دخله. نعم رحل عدلي كاسب، لكن الشخصيات التي قدمها لم ترحل معه. فما زالت ملامحه تظهر من جديد كلما أعيد عرض فيلم قديم شارك فيه، وما زال المشاهد يكتشف في أدائه قدرة ممثل لم يكن يحتاج إلى بطولة مطلقة حتى يثبت موهبته. وربما تكون هذه هي القيمة الحقيقية للفنان الذي ينتمي إلى زمن كانت السينما فيه تصنع نجومها من التفاصيل؛ فهو لم يكن مجرد وجه مألوف في أفلام الزمن الجميل، وإنما كان واحدًا من أولئك الذين جعلوا الأدوار الصغيرة كبيرة بحضورهم، وجعلوا التنوع عنوانًا لموهبتهم.

 

ولذلك، فإن الحديث عن الفنان عدلي كاسب اليوم ليس مجرد استعادة لاسم من الماضي، وإنما تذكير بجيل كامل من الفنانين كان يؤمن بأن قيمة الفنان ليست في حجم اسمه على الأفيش، وإنما فيما يتركه من أثر بعد أن تنتهي الحكاية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى