عزت أبو عوف.. فنانٌ لم تكفه موهبة واحدة

كتب/خطاب معوض خطاب
هناك فنانون نراهم على الشاشة فنحب أدوارهم، ثم نكتشف بعد سنوات أن وراء هذا الوجه حكاية أكبر بكثير مما كنا نعرف. وعزت أبو عوف الذي ولد في يوم 21 أغسطس سنة 1948، وتوفي في يوم 1 يوليو سنة 2019 كان واحدًا من هؤلاء. وحينما نتحدث عنه رحمه الله، فنحن لا نتحدث عن ممثل فقط، وإنما عن فنان جمع بين مواهب وتجارب كثيرة؛ طبيب بدأ حياته بعيدًا عن الأضواء، ثم موسيقي وعازف وملحن، وبعدها ممثل ترك بصمة واضحة في السينما والتليفزيون والمسرح، ثم إعلامي ورئيس لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، وأخيىا مقدم برامج في القنوات الفضائية.
والأجمل في حكايته أن كل مرحلة من هذه المراحل لم تُلغِ المرحلة التي سبقتها، وإنما صنعت منها شخصية فنية أكثر نضجًا وتنوعًا. وُلد عزت أبو عوف في القاهرة عام 1948، ونشأ في بيت له علاقة قوية بالموسيقى والفن، فوالده الموسيقار أحمد شفيق أبو عوف، وشقيقته الفنانة مها أبو عوف. لكن بدايته لم تكن من الفن.
حيث درس الطب، وتخرج في كلية الطب، ومارس المهنة فترة من حياته، قبل أن يجد نفسه منجذبًا أكثر إلى الموسيقى التي كانت تسكن داخله منذ سنوات. وهنا بدأت الرحلة التي ستغير حياته. اتجه عزت أبو عوف إلى الموسيقى، وأصبح عازفًا على الأورج، وشارك في عدد من الفرق الموسيقية، ثم أسس مع شقيقاته فرقة “فور إم”، التي كانت تجربة مميزة في تاريخ الغناء المصري.
لم تكن “فور إم” مجرد فرقة عائلية، وإنما كانت تجربة لها طابعها الخاص، جمعت بين الموسيقى والغناء والاستعراض، وحققت حضورًا لافتًا في فترة كانت فيها الساحة الموسيقية المصرية تشهد تغيرات كبيرة. وهكذا عرف الجمهور عزت أبو عوف موسيقيًا قبل أن يعرفه ممثلًا. ثم جاءت الخطوة التي جعلت اسمه يصل إلى جمهور أوسع بكثير… التمثيل. بدأ عزت أبو عوف مشواره السينمائي في تسعينيات القرن الماضي، وظهر في أعمال مهمة، وكان من بينها فيلم “آيس كريم في جليم”، ثم توالت أدواره في أفلام مثل “طيور الظلام”، و”بخيت وعديلة”، و”ليلة ساخنة”، و”إسماعيلية رايح جاي”، و”أرض الخوف”، و”اضحك الصورة تطلع حلوة”، و”عبود على الحدود”، و”اغتيال”، و”عودة الندلة”، و”الجزيرة”، و”حسن ومرقص”، و”عمر وسلمى”.
لكن ما ميّز عزت أبو عوف كممثل لم يكن كثرة الأعمال فقط. كان لديه حضور خاص. صوت هادئ، وملامح مميزة، وثقافة واضحة، وقدرة على تقديم شخصيات مختلفة دون أن يفقد هويته. استطاع أن يؤدي دور الرجل الراقي، ورجل الأعمال، والأب، والطبيب، والشخصية القوية، وأحيانًا الشخصية الشريرة، وكان في كل مرة يمنح الدور شيئًا من شخصيته وحضوره. وفي الدراما التلفزيونية، ترك أيضًا مجموعة كبيرة من الأعمال التي بقيت في ذاكرة الجمهور، مثل “هوانم جاردن سيتي”، و”زيزينيا”، و”الرجل الآخر”، و”أم كلثوم”، و”الملك فاروق”، و”الدالي”، و”شيخ العرب همام”، و”عفاريت عدلي علام”، و”الأب الروحي”. ولم يتوقف عطاؤه عند السينما والتليفزيون. فقد كانت له تجارب في المسرح، كما دخل عالم تقديم البرامج والإعلام، واستفاد من ثقافته وحضوره في التواصل مع الجمهور.
ثم جاءت محطة مهمة في مسيرته عندما تولى رئاسة مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، ليؤكد أن علاقته بالفن لم تكن مجرد علاقة ممثل بالكاميرا، وإنما كان جزءًا من الحياة الفنية والثقافية المصرية على نطاق أوسع. ومن الأشياء التي تجعل تجربة عزت أبو عوف جديرة بالتأمل، أنه لم يكن يخشى الانتقال من مجال إلى آخر.
لم يقل: أنا طبيب إذن سأظل طبيبًا. ولم يقل: أصبحت موسيقيًا إذن انتهت رحلتي هنا. بل ظل يبحث عن المكان الذي يستطيع فيه أن يقدم شيئًا جديدًا. وهذا هو سر تعدد مواهبه. كان طبيبًا، ثم أصبح موسيقيًا وعازفًا وملحنًا، ثم ممثلًا، ثم إعلاميًا، وتولى مسؤولية واحدة من أهم الفعاليات السينمائية في مصر.
لكن وسط كل هذه الألقاب، بقي هناك شيء أهم من كل ذلك… الإنسان. فقد أحب الناس عزت أبو عوف بسبب حضوره الهادئ، وبساطته، وطريقته التي جعلته يبدو قريبًا منهم، رغم النجومية والمكانة الفنية التي وصل إليها. ولهذا، عندما رحل في الأول من يوليو عام 2019، لم يكن الأمر مجرد غياب فنان عن الشاشة.
كان غياب وجه اعتاد الناس أن يروه في أعمال كثيرة، وأن يشعروا بمجرد ظهوره أن هناك شخصية مختلفة حضرت. وربما لهذا السبب لا تزال أعماله تُشاهد حتى اليوم.
فالفنان الحقيقي لا يعيش فقط في زمنه.
يظل موجودًا في ذاكرة الناس، في مشهد من فيلم، أو شخصية من مسلسل، أو أغنية قديمة، أو حتى ابتسامة تأتي تلقائيًا عندما نرى وجهه على الشاشة. عزت أبو عوف لم تكن موهبته في أنه استطاع أن يجمع كل هذه المواهب فحسب، وإنما في أنه استطاع أن يترك أثرًا في كل مجال دخله.
بدأ طبيبًا، واكتشف الموسيقى، ثم وجد نفسه في التمثيل، ومرّ بالإعلام والعمل الثقافي، وفي كل محطة ترك جزءًا من نفسه. ولهذا يمكن أن نقول إن عزت أبو عوف لم يكن مجرد فنان متعدد المواهب… كان حكاية فنية كاملة، بدأت من الطب، ومرت بالموسيقى، ووصلت إلى الشاشة، ثم بقيت في قلوب الناس.
وهذا هو النوع من الفنانين الذي لا ينتهي حضوره بانتهاء حياته؛ لأن أعماله تظل تقول لنا، في كل مرة نراها: هنا مرّ فنان اسمه عزت أبو عوف.




