ثقافة وفن

أمينة رزق.. راهبة الفن في ذكرى وفاتها

 

كتب/ خطاب معوض خطاب

هناك فنانات يظهرن على الشاشة فيتركن ذكرى جميلة، وهناك فنانات يتحول حضورهن مع الوقت إلى جزء من ذاكرة الناس، حتى إننا نشعر أننا عرفناهن في حياتنا قبل أن نراهن على الشاشة. ومن هؤلاء الفنانة الكبيرة أمينة رزق، التي رحلت عن الدنيا في مثل هذا اليوم منذ 23 سنة، والحقيقة أنها لم تكن مجرد ممثلة قدمت أدوارًا كثيرة، وإنما كانت واحدة من أعمدة المسرح والسينما المصرية، وفنانة عاشت للفن أكثر مما عاش الفن للشهرة. وقد ولدت في طنطا في أبريل 1910، وانتقلت إلى القاهرة وهي طفلة، وكانت خالتها الفنانة أمينة محمد سببًا في اقترابها من عالم الفن. وفي عام 1922 وقفت على خشبة المسرح للمرة الأولى ضمن كورس فرقة علي الكسار، وهي لا تزال في الثانية عشرة من عمرها تقريبًا.

 

لكن البداية الحقيقية في حياتها الفنية جاءت مع فرقة رمسيس التي أسسها الفنان يوسف وهبي، وهناك بدأت رحلة طويلة جعلت منها واحدة من أهم ممثلات المسرح المصري. وقدمت مع الفرقة مسرحية «راسبوتين»، ثم توالت أدوارها حتى أصبحت من بطلات الفرقة، وشاركت يوسف وهبي في عدد كبير من المسرحيات. ولم يكن يوسف وهبي مجرد زميل في حياتها الفنية، بل كان أستاذًا وصاحب فضل كبير في تكوينها الفني. وفي المقابل، حملت أمينة له إعجابًا إنسانيًا وفنيًا كبيرًا، وظلت تلك العلاقة من الحكايات التي ارتبطت بسيرتها، دون أن تحولها هي إلى قصة تبحث من خلالها عن الشهرة. ومع مرور السنوات، لم تتوقف أمينة رزق عند المسرح، بل امتدت رحلتها إلى السينما والإذاعة والتليفزيون.

 

وكانت من الفنانات اللاتي عاصرن مراحل مختلفة من تاريخ الفن المصري، من بدايات السينما الناطقة إلى أجيال متعاقبة من النجوم. وقدمت عشرات الأدوار التي لا تنسى، لكن الجمهور عرفها بصورة خاصة في أدوار الأم. والغريب أن أمينة رزق، التي لم تتزوج ولم تعرف الأمومة في حياتها الخاصة، استطاعت أن تقدم الأم على الشاشة بصدق شديد جعل أجيالًا كاملة تتعامل معها وكأنها أم حقيقية. ومن أشهر أفلامها «دعاء الكروان»، و«بداية ونهاية»، و«قنديل أم هاشم»، و«أريد حلًا»، و«السقا مات»، و«الكيت كات»، وغيرها من الأعمال التي أكدت أن موهبتها لم تكن مرتبطة بنوع واحد من الأدوار. وقد اختيرت ثمانية من أفلامها ضمن قائمة أفضل مائة فيلم في تاريخ السينما المصرية في استفتاء النقاد عام 1996.

 

واللافت أنها رغم ارتباط اسمها بالأدوار الجادة والتراجيدية، استطاعت أيضًا أن تقدم الكوميديا بخفة وذكاء، ومن أشهر تجاربها الكوميدية مسرحية «إنها حقًا عائلة محترمة» مع فؤاد المهندس وشويكار وسناء يونس. وكانت رحمها الله شديدة الالتزام بعملها، حتى إن زملاءها أطلقوا عليها «ماما أمينة»، ليس فقط لأنها كانت تجسد دور الأم، وإنما لأنها كانت بالفعل شخصية حاضرة بالاحتواء والاحترام والانضباط، ولهذا ظلت قريبة من قلوب الفنانين الذين عملوا معها. وفي عام 1958 انضمت إلى المسرح القومي، وظلت واحدة من أبرز نجماته، لتواصل رحلتها مع المسرح الذي بدأت منه طفلة صغيرة. وهكذا لم تكن أمينة رزق مجرد فنانة عاشت زمن الفن الجميل، بل كانت جزءًا من صناعة ذلك الزمن نفسه.

 

وفي 24 أغسطس 2003 رحلت أمينة رزق عن عمر ناهز 93 عامًا، بعد رحلة فنية امتدت لأكثر من ثمانين عامًا. نعم رحلت أمينة رزق، لكن بعض الفنانين لا يرحلون تمامًا، لأنهم يتركون وراءهم شيئًا أكبر من الصور والأفلام؛ يتركون إحساسًا خاصًا في ذاكرة الناس. ولهذا، كلما ظهرت على الشاشة، لم نكن نرى ممثلة تؤدي دور أم، وإنما كنا نرى أمينة رزق نفسها.. الفنانة التي عاشت عمرها كله تقريبًا في محراب الفن، فاستحقت عن جدارة لقب راهبة المسرح.

 

أمينة رزق من الفنانات اللواتي لا تحتاج سيرتهن إلى مبالغة، فمجرد استعراض مشوارها يكفي لنعرف أننا أمام واحدة من أهم الوجوه التي صنعت تاريخ الفن المصري. والأجمل في حكايتها أنها لم تكن مجرد «أم السينما المصرية»، وإنما فنانة مسرحية كبيرة بدأت طفلة، وعاشت للفن أكثر من ثمانية عقود.

 

فإن جلستَ يومًا أمام شاشة التلفزيون، وشاهدتَ أحد أعمالها الفنية، فتذكّرها بدعوة من قلبك، عسى أن يرحمها الله ويسعدها في آخرتها، كما أسعدتنا بأعمالها في دنيانا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى