الفنانة كوثر رمزي في ذكرى رحيلها الثامنة

كتب/ خطاب معوض خطاب
هناك فنانون لا يحتاجون إلى بطولة مطلقة حتى يتذكرهم الناس، ولا إلى اسم يتصدر أفيش الفيلم حتى يظل وجههم حاضرًا في الذاكرة. يكفي أن يظهروا لبضع دقائق، فيقول المشاهد: «أنا أعرف هذه الفنانة»، وكأن ملامحها أصبحت جزءًا من ذاكرته القديمة. ومن هؤلاء الفنانة كوثر رمزي، التي تحل اليوم 2 سبتمبر ذكرى رحيلها الثامنة، بعدما غابت عن عالمنا في 2 سبتمبر 2018، عن عمر ناهز 87 عامًا، تاركة وراءها مشوارًا فنيًا طويلًا امتد لعقود، تنقلت خلاله بين الإذاعة والسينما والمسرح والتليفزيون.
لم تبدأ كوثر رمزي من بوابة النجومية، وإنما اختارت الطريق الأصعب والأطول؛ حيث بدأت مشوارها من الإذاعة المصرية، ثم انتقلت إلى السينما والمسرح والتليفزيون، لتصبح واحدة من الوجوه المميزة التي عرفها الجمهور في عشرات الأعمال. وكانت بدايتها السينمائية في خمسينيات القرن الماضي، ومن أوائل أفلامها «نداء الحب» عام 1954، ثم توالت مشاركاتها، لتقدم خلال مشوارها أكثر من 70 فيلمًا، إلى جانب عشرات المسلسلات والمسرحيات. وربما لم تحصل كوثر رمزي على المساحة التي حصلت عليها نجمات أخريات، لكنها امتلكت شيئًا لا يقل أهمية عن البطولة؛ وهي القدرة على ترك بصمة في مساحة محدودة.
كانت تستطيع أن تؤدي دور الأم الشعبية الطيبة، أو الجارة، أو المرأة البسيطة، أو إحدى الشخصيات التي تمر سريعًا في الأحداث، لكنها كانت تمنح الشخصية روحًا تجعلها عالقة في الذاكرة. وقفت كوثر رمزي أمام كبار نجوم السينما، وشاركت في أفلام تنتمي إلى أجيال مختلفة، من بينها «دعاء الكروان»، و«عمالقة البحار»، و«هذا الرجل أحبه»، و«حب وحرمان»، وغيرها من الأعمال التي تكشف عن امتداد مشوارها الفني منذ خمسينيات القرن العشرين. ومع مرور السنوات، ظلت قادرة على مواصلة العمل، فلم يكن التقدم في العمر سببًا في ابتعادها عن الشاشة.
وفي الدراما التليفزيونية، عرفها الجمهور في أعمال كثيرة، من بينها «أبو العلا البشري»، و«رأفت الهجان»، و«يوميات ونيس»، و«حارة العوانس»، و«سوق الخضار»، و«لا أحد ينام في الإسكندرية»، و«أبو ضحكة جنان»، و«حاميها وحراميها»، و«الوالدة باشا». ومن المحطات اللافتة في مشوار كوثر رمزي تعاونها مع الفنان عادل إمام في أكثر من عمل، من بينها «أحلام الفتى الطائر»، و«طيور الظلام»، و«بخيت وعديلة»، كما شاركت معه على خشبة المسرح في «الزعيم» و«بودي جارد».
وهنا تظهر قيمة الفنان الذي يستطيع أن يعيش طويلًا في المهنة دون أن يطارد البطولة، فكوثر رمزي كانت تعرف كيف تجعل الدور الصغير جزءًا من صورة العمل، وكيف تمنح الشخصية التي تؤديها ملامحها الخاصة. لم تكن السينما والتليفزيون وحدهما في رحلتها، فقد كان للمسرح نصيب من مشوارها، فشاركت في عدد من المسرحيات، من بينها «المصيدة»، و«الغربة»، إلى جانب «الزعيم» و«بودي جارد». وكانت تلك الرحلة الطويلة دليلًا على أنها لم تكن مجرد ممثلة تظهر أمام الكاميرا، بل فنانة تنتمي إلى جيل كان يرى الفن مهنة وحياة، ويستمر في العمل مهما تغيرت الظروف.
لكن اسم كوثر رمزي ارتبط في سنواتها الأخيرة بحكاية مؤلمة تجاوزت حدود الفن، بعدما كانت صديقة مقربة للمطربة التونسية ذكرى، التي كانت تناديها «ماما كوثر». وفي ليلة مقتل ذكرى عام 2003، كانت كوثر رمزي موجودة في منزل صديقتها، وغادرت المكان قبل وقوع الجريمة بدقائق، وبعد وقت قصير وقعت الجريمة التي كانت مثار أحاديث الناس في ذلك الوقت، وأصبحت كوثر رمزي واحدة من أهم الأشخاص الذين ارتبطت شهادتهم بتفاصيل تلك الليلة المأساوية. ومنذ ذلك الوقت، لم يعد اسم كوثر رمزي يُذكر فقط باعتبارها ممثلة صاحبة مشوار طويل، وإنما باعتبارها أيضًا الإنسانة التي حملت داخل ذاكرتها تفاصيل ليلة قاسية ظلت مرتبطة بها حتى نهاية حياتها.
كان آخر أعمال كوثر رمزي مسلسل «الصندوق الأسود» الذي عرض عام 2015، وبعد رحلة طويلة مع الفن رحلت في 2 سبتمبر 2018، رحلت كوثر رمزي دون ضجيج يليق بطول مشوارها، لكنها تركت وراءها ما هو أبقى من الضجيج: وجوهًا وشخصيات وأدوارًا صغيرة أصبحت جزءًا من ذاكرة أجيال كاملة. فربما لا يتذكر البعض اسم الشخصية التي أدتها، وربما لا يعرف المشاهد عنوان كل عمل ظهرت فيه، لكنه حين يرى وجهها على الشاشة يعرفه على الفور. وهذه هي إحدى علامات الفنان الحقيقي.. أن يرحل اسمه، وتبقى ملامحه. أن تنتهي حياته، ولا تنتهي علاقته بذاكرة الجمهور.
رحم الله كوثر رمزي، إحدى فنانات الزمن الجميل، التي عاشت في الظل أحيانًا، لكنها تركت أثرًا لا يختفي.




