ثقافة وفنمقالات

رحل منذ 24 سنة عاطف سالم.. المخرج الذي أنصف الإنسان قبل أن يصنع الفيلم

 

كتب/ خطاب معوض خطاب

 

 

في تاريخ السينما المصرية أسماء ارتبطت بأفلامها أكثر مما ارتبطت بالأضواء التي صاحبت أصحابها، ومن بين هؤلاء يأتي المخرج عاطف سالم الذي رحل في مثل هذا لليوم منذ 24 سنة ونحديدا في يوم 30 يوليو سنة 2002، والحقيقة أن المخرج عاطف سالم لم يكن يبحث عن البهرجة أو الاستعراض، وإنما كان يهتم بالإنسان، بمشكلاته وأحلامه وضعفه وقوته.

 

لم يكن طريق عاطف سالم إلى الإخراج طريقًا سهلًا، فقد بدأ من خلف الكاميرا، بعد تجربة مبكرة أمامها، ثم عمل مساعدًا لعدد من كبار المخرجين، ليتعلم أسرار الصنعة خطوة بخطوة، قبل أن يصبح واحدًا من أصحاب البصمة الخاصة في السينما المصرية.

 

كانت عينه دوما قريبة من المجتمع، ولذلك جاءت أفلامه مليئة بالتفاصيل التي يعرفها الناس ويعيشونها. لم يكن ينظر إلى الشخصيات باعتبارها مجرد أدوار داخل قصة، بل كان يراها نماذج بشرية لها ظروفها ودوافعها وأخطاؤها.

 

في فيلم “جعلوني مجرمًا” لم يقدم مجرد حكاية عن شاب ضل الطريق، ولكنه طرح سؤالًا اجتماعيًا مهمًا عن الظروف التي قد تدفع الإنسان إلى الخطأ، وعن مسؤولية المجتمع تجاه أفراده.

 

كما تناول في “إحنا التلامذة” قضايا الشباب والانحراف بأسلوب يحمل قدرًا من التعاطف والفهم بدلًا من إصدار الأحكام. ومن أبرز ما يميز تجربة عاطف سالم اهتمامه بالأسرة المصرية، وهو ما ظهر بوضوح في أفلام مثل “أم العروسة” و”الحفيد”، حيث قدم تفاصيل الحياة اليومية داخل البيت المصري، بما فيها من أفراح وأزمات وصراعات وأحلام بسيطة. كانت الأسرة عنده عالمًا كاملًا يستحق التأمل، وليست مجرد خلفية للأحداث.

 

امتلك عاطف سالم قدرة على التعامل مع نجوم كبار، وفي الوقت نفسه كان قادرًا على اكتشاف وجوه جديدة ومنحها الفرصة، لأنه كان يؤمن بأن الممثل الجيد لا يحتاج فقط إلى مساحة كبيرة، وإنما يحتاج إلى مخرج يعرف كيف يخرج أفضل ما بداخله. ورغم تنوع أعماله بين الاجتماعي والرومانسي والكوميدي، ظل الخيط الذي يجمع بينها هو اهتمامه بالإنسان. فحتى عندما كان يقدم حكاية بسيطة، كان يبحث خلفها عن معنى أعمق: لماذا يتصرف الإنسان بهذه الطريقة؟ وكيف تؤثر الظروف في اختياراته؟

 

رحل عاطف سالم عن الدنيا، لكنه ترك وراءه رصيدًا من الأفلام التي ما زالت حاضرة، ليس فقط لأنها تحمل أسماء نجوم كبار، ولكن لأنها تحمل روح عصر كامل وتفاصيل مجتمع كان يعرف كيف يحكي عن نفسه على الشاشة. لقد كان عاطف سالم مخرجًا يؤمن بأن السينما ليست مجرد صورة وحكاية، وإنما مرآة للناس، ولذلك بقيت أفلامه شاهدة على موهبة فنان اختار أن ينحاز للإنسان قبل النجومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى