قصة من الواقع

داليدا: الأسطورة التي بدأت من شبرا وانتهت في باريس

بقلم المؤرخ: معتز محسن

 

حين تذكر “داليدا”، يتبادر إلى الأذهان فوراً ذلك المزيج الساحر بين الشرق والغرب، والجمال اللغز الذي غزا مسارح العالم. لكن خلف هذا الاسم البراق حكاية ملهمة ومأساوية لفتاة لم تكن في الأصل داليدا، ولم تكن فرنسية كما يظن الكثيرون!


البداية من إيطاليا واللجوء إلى مصر

الحكاية تبدأ من إيطاليا، حيث ولدت عائلة داليدا التي اضطرت للهجرة إلى مصر هرباً من النظام الفاشي في عهد “بينيتو موسوليني”. وفي حي شبرا العريق بالقاهرة، ولدت الفتاة البسيطة “يولاندا كريستينا جيليوتي” في 17 يناير 1933.

لم تكن طفولة يولاندا سهلة؛ فقد عانت من ضعف في البصر، مما جعلها عرضة للتنمر من زملائها في المدرسة. ولم تقف المعاناة عند هذا الحد، بل تجرعت مرارة القبض على والدها واحتجازه خلال الحرب العالمية الثانية، نظراً لأن إيطاليا كانت ضمن دول المحور ضد بريطانيا (التابعة للحلفاء) التي كانت تسيطر على مصر آنذاك.

من ملكة جمال مصر إلى شاشات السينما

رغم كل هذه الظروف الصعبة، تحدت يولاندا الواقع وتوجت بلقب ملكة جمال مصر عام 1954. هذا اللقب كان بمثابة المفتاح السحري الذي فتح لها أبواب السينما؛ ففي عام 1955 شاركت في فيلم “سيجارة وكاس” من بطولة نبيل الألفي (أستاذ الفنان نور الشريف)، والراقصة سامية جمال، وكوكا، وسراج منير.

في ذلك الوقت، أشاد بها النقاد ووصفوها بأنها “نسخة طبق الأصل” من النجمتين العالميتين ريتا هيوارث وآفا جاردنر. كما عملت “دوبليرة” في فيلم “يوسف وإخوته” للممثلة الأمريكية جوان كولينز، وفي نفس الفيلم تعرفت على الشاب الوسيم الذي كان يبحث عن فرصة للشهرة حينها، عمر الشريف، والذي عمل هو الآخر دوبليراً في الفيلم ونشأت بينهما مشاعر إعجاب، لكنها فضلت السعي وراء الشهرة العالمية، وحزمت حقائبها وسافرت إلى فرنسا في أواخر عام 1954.

ولادة الأسطورة على مسرح الأولمبيا

من باريس، ولدت أسطورة “داليدا” وانطلقت على مسرح “الأولمبيا” الشهير، ذلك المسرح الذي غنت عليه قامات فنية كبرى مثل كوكب الشرق أم كلثوم وجارة القمر فيروز.

ورغم العالمية، ظل حنين ابنة شبرا لوطنها الأم مصر نابضاً؛ فعادت لتغني روائعها الخالدة مثل “حلوة يا بلدي” عام 1979، وقدمت فيلم “اليوم السادس” مع المخرج الكبير يوسف شاهين، الذي ضحى بمشاركة الفنانة محسنة توفيق لتكون داليدا هي بطلة الفيلم، وليصبح هذا العمل بمثابة وثيقة وداع مؤثرة للجمهور المصري والعالمي قبل رحيلها.

نهاية مأساوية وتكريم تاريخي

في 3 مايو 1987، أسدلت داليدا الستار على حياتها بجرعة زائدة من المهدئات، تاركة وراءها ورقة صغيرة كتبت فيها كلماتها الأخيرة: “سامحوني، الحياة لم تعد تحتمل”.

شُيعت لها جنازة مهيبة وقوية في فرنسا عام 1987، وودعها الجمهور بالدموع وهم يغنون لها “أو باراديسو” (إلى الجنة). وتخليداً لذكائها وفنها، دخلت التاريخ كالمطربة الوحيدة التي نالت ميدالية رئاسة الجمهورية الفرنسية من الجنرال شارل ديجول في 5 ديسمبر 1967.

داليدا.. أسطورة لا تنتهي، وجمال لغز سيبقى حياً في ذاكرة الفن العربي والعالمي.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى