المقري وموسوعته «نفح الطيب»: سيرة حارس الذاكرة الأندلسية

شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد المقري التلمساني، حافظ المغرب وجاحظ البيان، يُعد أبرز من وثق تاريخ وحضارة الأندلس للحفاظ عليها من الضياع بعد سقوطها.
- مكان وتاريخ ميلاد المقري: تلمسان بالجزائر، حوالي 986 هـ / 1578 م.
- أهم أعماله: موسوعة “نفح الطيب من غصن الأندلس الطيب”، “أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض”، “روضة الأنس العاطرة الأنفاس في ذكر من لقيته من علماء مراكش وفاس”، “عرف النشق في أخبار دمشق”، “إضاءة الدجنة في عقائد أهل السنة”، “فتح المتعال في مدح النعال”، “حسن الثنا في العفو عمن جنى”.
- مكان وتاريخ الوفاة: القاهرة، عام 1041 هـ الموافق لسنة 1631م.
انصهرت في الأندلس العقول وتلاقت الثقافات، ورغم سقوط غرناطة عام 1492م، كادت كنوز المعرفة الأندلسية أن تضيع لولا جهود المقري. قام المقري برحلات علمية عديدة إلى مختلف البلدان، عابرًا جسورًا ثقافية لنقل التراث الأندلسي من أروقة الأندلس الغاربة إلى محافل المشرق الإسلامي، ليصبح حارسًا لتاريخ الأندلس وموثقًا لحضارة أصلها ثابت وفرعها في السماء. لم يكن المقري مؤرخًا تقليديًا، بل أديبًا موسوعيًا، ونحويًا، وفقيهاً مالكيًا اطلع على مصادر ووثائق أندلسية نادرة، اندثر كثير منها، ولم يعرف منها إلا ما اقتبسه في موسوعته “نفح الطيب”. كشف المقري عن سر عشقه للأندلس بوصفها “شامية في طيبها وهوائها، يمانية في اعتدالها واستوائها، هندية في عطرها وذكائها”.
عندما حل المقري بالقاهرة، استجابة لطلب الإمام الشاهيني في دمشق، كان يحمل في ذاكرته ودفاتره التاريخي كاملاً. سعى المقري إلى إبراز فضل الأندلس في عقر دار المشارقة، موثقًا أنها كانت شقيقة المشرق في العلم والحضارة لا تابعة له، وظلت نبرة الحنين إلى الفردوس المفقود طاغية رغم كتابته في عصر العثمانيين.
ولد أحمد المقري في مدينة تلمسان بالجزائر، في أسرة عريقة في العلم والقضاء، ونشأ في بيت علم، وتلقى دراسته الأولى على يد أبيه وأجداده، وحفظ القرآن الكريم وتلقى الفقه المالكي والحديث والأدب. تأثر ببيئة تلمسان التي كانت تزخر بالعلماء والمخطوطات، مما صقل مواهبه الأدبية والتاريخية منذ صغره.
شغف المقري بالمعرفة دفعه لمغادرة المغرب العربي في رحلات علمية، طاف خلالها أرجاء واسعة من العالم الإسلامي. غادر المقري فاس متوجهًا إلى القاهرة في أوائل القرن الحادي عشر الهجري، واستقر بها، وألقى دروسًا في الأزهر، وحظي باحترام العلماء والطلاب. تعددت رحلاته بين القاهرة والحجاز بين عامي 1027هـ و1037هـ، حيث أدى فريضة الحج مرات، واستغل وجوده في مكة والمدينة لإلقاء الدروس وإملاء الحديث، موسعًا شهرته العلمية في المشرق. زار بيت المقدس ودمشق حيث احتفى به المجتمع الدمشقي والعلماء.
كانت رحلاته المتكررة والحنين إلى الغرب الإسلامي، خاصة الأندلس، سببًا في جعل “نفح الطيب” كتابًا يفوح بحب الأندلس. في حلقاته الأدبية بدمشق والقاهرة، كان المقري يبكي السامعين بحديثه عن الأندلس ومحاسن تاريخها وذكرياتها.
تميز الفكر التاريخي عند المقري بالشمولية، فلم يقتصر على سرد الأحداث السياسية والحروب، بل اتجه نحو التاريخ الشامل، وتناول في “نفح الطيب” جغرافية الأندلس، وتاريخ دولها، وتراجم علمائها، وأدبائها، وفقهائها. اعتمد على الأدب والشعر كوثائق تاريخية، مما أضفى على كتابه طابعًا أدبيًا وتاريخيًا ممتعًا. اعتمد المقري على المصادر المفقودة، ويعد مرجعًا أساسيًا لأنه نقل عن كتب أندلسية أصبحت الآن في حكم المفقودة، مما جعل كتابه موسوعة تاريخية لا غنى عنها. أفرد قسمًا خاصًا للترجمة للوزير لسان الدين بن الخطيب، وتوسع ليشمل أدب وتاريخ الأندلس، محاولًا إبراز فضل الأندلس ومواجهة المشارقة. كتب عن الأندلس بنبرة حنين واعتزاز، بهدف تخليد ذكرى الأندلس بعد سقوطها، واعتمد على مرويات وروايات نقلها عن أندلسيين موريسكيين كانوا قد هجروا قسرًا، مما أضفى صدقًا وموثوقية عالية على معلوماته حول خروج الأندلس.
لم يكن مجرد مؤرخ ناقل للأحداث، بل كان عالمًا صوفيًا ذا سلوك روحي عميق، دمج بين غزارة المعرفة التاريخية والالتزام بالتصوف السني. سلك المقري طريق المنهج الوسطي متأثرًا بالمدارس الصوفية المغربية والمشرقية، وكان من شيوخ التربية الذين يجمعون بين العلم وسلوك النفس. عرف عنه الزهد والقناعة والتواضع، مفضلاً الانشغال بإحياء ذكر الصالحين على السعي وراء المناصب. وثق في كتابه “نفح الطيب” سير وتراجم العديد من صوفية الأندلس والمغرب، وأبرز دور المتصوفة كطبقة اجتماعية فاعلة، وأشار إلى تأثيرهم في الحياة السياسية والروحية. أظهر اهتمامًا خاصًا بأربطة التصوف وزوايا التعبد. كان يتصف بالجهاد الروحي، ويرى أن التأليف في سير الزهاد والعلماء، وتوثيق تراث الأندلس هو نوع من الجهاد الروحي والعمل الصالح. تصوف المقري كان تصوفًا سنيًا ملتزمًا، يعتمد على توثيق التاريخ الروحي للأندلس والمغرب، والزهد العملي في الحياة.
يُعد “نفح الطيب من غصن الأندلس الطيب” أشهر كتبه على الإطلاق، وهو مرجع أساسي في تاريخ الأندلس والأديب لسان الدين بن الخطيب. يتألف الكتاب في هيكله العام من قسمين رئيسيين: القسم الأول عن الأندلس جغرافيًا وتاريخيًا، والقسم الثاني يتناول سيرة الوزير الأديب لسان الدين بن الخطيب، متخذًا من سيرته محورًا تدور حوله الأحداث السياسية والأدب في عصر بني الأحمر في غرناطة، مع إدراج نصوص ومراسلات تاريخية نادرة. واجه المقري شعور ساد في بعض فترات التاريخ لدى المشارقة بأن الأدب الأندلسي مقلد للأدب المشرقي، عبر إبراز الذاتية الأندلسية وإظهار نبوغ علمائها وأدبائها، معتمدًا على رسائل وشهادات تاريخية مثل رسالة ابن حزم الظاهري في فضل الأندلس، ليؤكد أن الأدب الأندلسي يوازي نظيره المشرقي ولا يقل عنه رونقًا وإبداعًا.
تكمن الأهمية القصوى لكتاب “نفح الطيب” في كونه مصدرًا للمفقودات، حيث نقل المقري نصوصًا وقطعًا أدبية ووثائق تاريخية هامة من كتب أندلسية أُتلفت أو ضاعت بمرور الزمن، مما جعل كتابه المرجع الأول لتلك المصادر، ويمثل مرآة للحياة الثقافية، ويتضمن عبارات دقيقة من الشعر والنثر والتراجم لأعلام الأندلس.
توفي المقري في القاهرة عام 1041 هـ الموافق لسنة 1631م، ودُفن في مقبرة المجاورين. أشارت بعض المصادر إلى وفاته الطبيعية، بينما ذكرت روايات أخرى أنه توفي مسمومًا عقب عودته من رحلة إلى اسطنبول.




