غاندي ورحلته مع الحقيقة

كتب …معتز محسن عزت
يعتبر المهاتما “موهانداس كرُمشند غاندي”، من العلامات المضيئة في تاريخ القرن العشرين، لما قدمه من لمسات شافية لوجدان الإنسانية من أدران أصابت الضميرالإنساني، بالكثير والكثير من السلبيات المؤلمة والمدمرة لمعاني الحب والأخاء والمساواة، دعائم المجتمعات الراقية والمتقدمة المبنية على نفحات العدالة وتوافر الفرص والإبداع المجدد لمعين البشرية على الدوام.
كان لغاندي الدور الأبرز والأكبر، في إحياء وتقوية فلسفة الساتياجراها – الإصرار على الحق – المعضدة لطريق سياسة “المقاومة السلمية” التي بزغ شمسها من بين فكي الإمبريالية العالمية؛ المتكئة على دعائم الاستعمار والاستيطان منذ فجر التاريخ.
علاوة على ذلك أضاف غاندي لفلسفة “الساتياجراها”، رئة فعالة لمفهوم الإصرار على الحق، من خلال مبدأ الأهمسا – عدم الإيذاء واللاعنف – وهو مبدأ هندي قديم، تأسس عبر الديانات الهندية العتيقة، المُنمية للروح كي لا تقع بين براثن الشر، من خلال الديانتين البوذية والجينية اللتان ساهمتا في إحياء الشخصية الهندية مجددًا عبر “غاندي” المنهض للشخصية الهندية في القرن العشرين، من خلال كتابه الشهير “هندو سواراج” أو “الاستقلال الهندي” في العام 1922.
كل هذه التفاصيل المضيئة في تكوين “غاندي”، جعل الشاعر الهندي “رابرانداث طاغور” يطلق عليه لقب “المهاتما” أو “روح عظيم” أو “القديس” الذي أعاد للبشرية نقائها في القرن العشرين المخضب بدماء الأبرياء ونهب ثروات الشعوب المقهورة، من الأمم المتحضرة المنادية دائمًا بشعار “الحرية” و”الأخاء” و”المساواة”!
بدأت رحلة الغاندي الكفاحية الجامعة بين خبرة السياسة وقوة الروح، في جنوب أفريقيا وقت عمله محاميًا بإحدى الشركات البريطانية، مكتشفًا عبر تفاصيل مهمته الوظيفية، أبشع أنواع العنصرية المستخدمة ضده، وضد أبناء وطنه – العمال الهنود – المُستخدمين كتروس منتجة للإمبريالية البريطانية في مزارعهم وشركاتهم ومصانعهم.
بدأت رحلة غاندي مع الحقيقة في العام 1893، حيث قرر ألا يستسلم للواقع المرير، مستلهمًا مشكاة الحضارة الهندية العتيقة، لإنقاذ أبناء الحاضر والمستقبل من الطمس الإمبريالي، عن طريق نور التراث الهندي المضيئ، لإعادة اكتشاف النفس الهندية وسط أشواك العصور الحديثة الصلبة.
استطاع غاندي إرساء سياسة “الساتياجراها” من خلال قراءة كتاب “مملكة الرب بداخلك”، للكاتب الروسي الكبير “ليو تولستوي” الذي كتبه في العام 1895 عن فلسفة “نبذ العنف”، وقد راسل غاندي تولستوي باللغة الإنجليزية، وأبلغه بأنه أسس مزرعة للعمال الهنود بجنوب افريقيا وسماها باسمه “مزرعة تولستوي”، كنوع من إرساء قواعد الاكتفاء الذاتي لتدعيم الاستقلال الهندي المعروف ب”الهندو سواراج”.
نجح غاندي على مدار اثنين وعشرين عامًا، من العام 1893 وحتى العام 1915، بتعليم الهنود مبادئ الاكتفاء الذاتي عبر الإنتاج و العمل الدؤوب تحت رابة “المقاومة السلمية” وهو ما أشار إليه في كتابه الشهير “قصة تجاربي مع الحقيقة” الذي صدر في العام 1921، متناولاً رحلته مع الحقيقة منذ الطفولة المبكرة وحتى العام 1921 ورحلة البحث عن استقلال الوطن من خلال “حزب المؤتمر الهندي”.




