نجيب محفوظ.. رائد الرواية النهرية

معتز محسن عزت
يظل نجيب محفوظ – حكاء المحروسة – اسمًا لامعًا يشجع القراء والعباد، على الترنم به أبد الدهر، لما تركه من أثر نير في عالم الرواية والقصة، علاوة على أثره الثقافي لأكثر من نصف قرن، قدم فيها الكثير والكثير عبر عالمه الروائي والقصصي، مفندًا ومفككًا الأحوال المصرية ما بين تاريخ مصر القديم وتاريخ مصر المعاصر، في مزج فريد من نوعه، وضعنا أمام بانوراما متكاملة عن مصر والمصريين ما بين الأمس واليوم والغد.
في العام 1944، قدم نجيب محفوظ روايته الثالثة “كفاح طيبة” التي حصل من خلالها على جائزة وزارة المعارف العمومية – وزارة التربية والتعليم حاليًا – مرسخًا لمفهوم الرواية القومية المعبرة عن تاريخ مصر القديم، مناديًا أبناء القرن العشرين بضرورة تحرير مصر من براثن المستعمر البريطاني، عبر استلهامه لتحرير أحمس لمصر من براثن الهكسوس عقب قرن ونصف قرن من احتلالهم لأرض كيمت العريقة.
تعتبر رواية “كفاح طيبة” من نوعية الرواية النهرية أو رواية الأجيال، حيث استعرض محفوظ لقصة التحرير العريقة عبر ثلاثة أجيال من الأسرة السابعة عشر من خلال: “سقنن رع تاعا”، “كاموس” ثم “أحمس” الذي أكمل سيمفونية التحرير العتيقة، التي تعد أول ملحمة تحريرية في التاريخ عبر السواعد السمراء الحاضنة للنهر العتيق، معيدًا لمصر رونقها العريق بإعادته للتاج المزدوج مجددًا تحت ظلال الأسرة الثامنة عشر المنبثقة من رحيق الاستقلال.
هنا نكتشف أن محفوظ ساهم في تأسيس فن رواية الأجيال (الرواية النهرية)، بالاشتراك مع د/ طه حسين – عميد الأدب العربي – الذي أصدر في العام 1944 رواية “شجرة البؤس” وهي تحكي عن أجيال مختلفة ما بين القاهرة والمنيا، مستلهمًا فن الأدب النهري من الأدب الفرنسي، ليكون الفضل للأستاذ والتلميذ في تأسيس ذلك الفن العريق في أدبنا العربي.
ما بين عامي 1956 و1957، كان التألق الأكبر والتميز الأبرز في تاريخ محفوظ الأدبي، بصدور ثلاثية القاهرة المكونة من: “بين القصرين” 1956، “قصر الشوق” 1957، “السكرية” 1957. تعتبر ثلاثية القاهرة البداية الحقيقية والسبك النهائي لفن الرواية النهرية الذي وجه الأقلام والأنظار للأديب الذي عانى من التهميش النقدي لأكثر من خمسة عشر عامًا وهو ما أكده الناقد الكبير د/ لويس عوض في مقاله “نجيب محفوظ.. أين كنت؟”، سجل فيه أن الحفاوة بمحفوظ مبررة ولكنها تدين النقاد الذين تجاهلوه طويلاً.
علق عميد الأدب العربي “طه حسين” في مقال له عن روعة محفوظ الروائية بالثلاثية القيمة قائلاً: “أتاح للقصة أن تبلغ من الاتقان والروعة ومن العمق والدقة ومن التأثير الذي يشبه السحر ما لم يصل إليه كاتب مصري من قبله”.
أكدت تلك السطور على ريادة محفوظ في تأسيسه وسبكه وإنضاجه لفن الرواية النهرية التي كانت الكلمة المفتاحية للتنبؤ بعالميته التي تحققت فيما بعد في العام 1988 بفوزه بنوبل التي تمناها له عميد الأدب العربي في مقال بالأهرام في العام 1962 قائلاً: ” أكتب كلماتي هذه عقب فوز الأمريكي جون شتاينبيك بجائزة نوبل للآداب لعامنا الجاري 1962، وأرى أنه يستحق الجائزة عن جدارة واستحقاق لكن هناك في أدبنا العربي من هم أفضل من شتاينبيك حيث عمق الطرح وروعة الأسلوب، وثراء المحتوى المازج بين الواقع والمأمول، وهو ما أراه في نموذج بارز في وقتنا المعاصر بأدبنا العربي، وفننا الروائي الممثل في “نجيب محفوظ” الذي يكفيه الفوز بالجائزة في يومٍ من الأيام عن ثلاثيته الرائعة التي جمعت بين محلية الطرح وعالمية الأسلوب”.




