ثقافة وفن

الأديب توفيق الحكيم رائد المسرح العربي في ذكرى وفاته

 

 

كتب/خطاب معوض خطاب

 

على الرغم من أن هناك عشرات الأدباء الذين أثروا المكتبة العربية بمؤلفاتهم، إلا أن قلة قليلة منهم استطاعت أن تؤسس مدرسة أدبية متفردة تحمل بصمتها الخاصة، وتبقى أعمالها حاضرة في أذهان القراء مهما مرت عليها السنوات، ولعل الأديب الكبير توفيق الحكيم الذي رحل في مثل هذا اليوم منذ 39 سنة وتحديدا في يوم 26 يوليو سنة 1987 يأتي في مقدمة هؤلاء، فقد كان واحدًا من أبرز رواد الأدب العربي الحديث، وصاحب تجربة أدبية وفكرية استثنائية، نجح من خلالها في أن يمنح المسرح العربي شكلًا جديدًا لم يكن مألوفًا من قبل، حتى استحق عن جدارة لقب “رائد المسرح الذهني”، بعدما جعل الفكرة هي البطل الحقيقي في كثير من أعماله، وقدم عشرات المسرحيات والروايات التي ناقشت قضايا الإنسان والمجتمع والفلسفة والسياسة بأسلوب أدبي رفيع، وما زالت مؤلفاته حتى يومنا هذا تحتفظ بمكانتها الكبيرة بين أهم ما كُتب في الأدب العربي.

 

وقد ولد توفيق إسماعيل الحكيم بمدينة الإسكندرية في يوم 9 أكتوبر سنة 1898، لأب مصري كان يعمل في سلك القضاء، وأم تركية، ونشأ في أسرة أولت اهتمامًا كبيرًا بالتعليم والثقافة، فالتحق بمدرسة محمد علي، ثم انتقل إلى القاهرة لاستكمال تعليمه، والتحق بكلية الحقوق، وتخرج فيها سنة 1925، ثم سافر إلى فرنسا لاستكمال دراسة القانون، غير أن الأدب والمسرح استحوذا على اهتمامه، فعاد إلى مصر وهو يحمل مشروعًا أدبيًا مختلفًا استطاع من خلاله أن يضع حجر الأساس للمسرح العربي الحديث.

 

وبدأ توفيق الحكيم مشواره الأدبي في عشرينيات القرن الماضي، إلا أن شهرته الحقيقية جاءت بعد صدور روايته الشهيرة “عودة الروح” التي اعتبرها الكثيرون واحدة من أهم الروايات المصرية، ثم توالت أعماله الأدبية التي تنوعت بين الرواية والمسرح والقصة والمقال، فقدم عشرات المؤلفات التي حققت نجاحًا كبيرًا، من أشهرها “أهل الكهف” و”شهرزاد” و”بجماليون” و”السلطان الحائر” و”يوميات نائب في الأرياف” و”عصفور من الشرق” و”بنك القلق” و”الرباط المقدس” وغيرها من الأعمال التي ترجمت إلى العديد من اللغات، وتحولت بعض رواياته ومسرحياته إلى أعمال سينمائية وإذاعية وتليفزيونية حققت نجاحًا كبيرًا.

 

ولم يكن توفيق الحكيم أديبًا أو روائيًا فحسب، بل كان واحدًا من أبرز المفكرين المصريين في القرن العشرين، حيث ناقش في مؤلفاته العديد من القضايا الفكرية والاجتماعية والإنسانية، وتميز بأسلوبه الأدبي الراقي، وحواراته العميقة، وقدرته الفائقة على الجمع بين الأدب والفلسفة، وهو ما جعل أعماله تحظى باهتمام النقاد والباحثين داخل مصر وخارجها، كما تقلد عددًا من المناصب المهمة، فعمل وكيلًا للنائب العام، ومديرًا لإدارة التحقيقات بوزارة المعارف، ثم مديرًا لدار الكتب المصرية، كما عمل مندوبًا لمصر لدى منظمة اليونسكو في باريس، وكان عضوًا بالمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية.

 

وحصل رحمه الله خلال مشواره الطويل على العديد من الجوائز والأوسمة، من بينها قلادة الجمهورية وجائزة الدولة التقديرية في الآداب، كما نال تقديرًا واسعًا من المؤسسات الثقافية العربية والعالمية، وظلت مؤلفاته تدرس في الجامعات والمعاهد الأدبية باعتبارها من أهم نماذج الأدب العربي الحديث. ورحل الأديب الكبير توفيق الحكيم عن عالمنا عن عمر ناهز 88 سنة، بعدما ترك تراثًا أدبيًا وفكريًا ضخمًا سيظل شاهدًا على موهبة استثنائية استطاعت أن تغير مسار الأدب العربي، وأن تثبت أن الكلمة الصادقة والفكرة العميقة قادرتان على أن تبقيا حاضرتين في وجدان القراء مهما تعاقبت الأجيال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى