الفنان فايق عزب في ذكرى ميلاده

كتب/خطاب معوض خطاب
هناك فنانون لا تتصدر أسماؤهم أفيشات الأفلام، ولا تتعلق بهم أضواء الشهرة، لكنهم يتركون بصمتهم في ذاكرة المشاهد من خلال شخصية أو مشهد أو حتى جملة واحدة. ومن هؤلاء الفنان المحترم فايق عزب الذي ولد في يوم 6 سبتمبر عام 1943 بمدينة الإسماعيلية، والذي ربما لا يتذكر كثيرون اسمه للوهلة الأولى، لكنهم ما إن يسمعوا أسماء بعض الشخصيات التي قدمها حتى يتذكروا وجهه وصوته وحضوره على الفور. فايق عزب كان واحدًا من هؤلاء الفنانين الذين أتقنوا فن الأدوار الثانوية، وهي أدوار قد تبدو صغيرة في مساحتها، لكنها تصبح جزءًا لا يتجزأ من العمل، وكان يمتلك صوتًا جهوريًا مميزًا وحضورًا قويًا جعلاه مناسبًا لأداء شخصيات الضابط والمسؤول والأب والرجل الصعيدي والرجل الشعبي وغيرها من الشخصيات التي قدمها خلال مشواره الفني.
ومن أشهر أدواره شخصية لواء الشرطة في فيلم «حنفي الأبهة»، والناظر عبد الجبار في «صباحو كدب»، وسالم الزناتي في «عسكر في المعسكر»، واللواء عبد السلام بسيوني والد الضابط بسيوني في «الباشا تلميذ»، ووالد رضا في «في محطة مصر»، وصلاح المنوفي في «واحد من الناس»، ووالد سلطان في «غبي منه فيه». كما ظهر في فيلم «ضد الحكومة» مجسدًا شخصية المحامي، وشارك في عدد كبير من الأفلام، من بينها «الحكم آخر الجلسة» و«سري للغاية» و«كل هذا الحب» و«كتيبة الإعدام» و«المهاجر» و«المصير» و«الجزيرة» و«رسالة إلى الوالي» و«الواد محروس بتاع الوزير»، وغيرها من الأعمال التي ترك خلالها بصمته الخاصة حتى وإن لم يكن اسمه في مقدمة الأبطال.
ولم تقتصر موهبته على السينما، وإنما امتد مشواره إلى الدراما التليفزيونية، فقدم شخصية عتمان المغازي في مسلسل «سوق العصر»، وظهر في «سلسال الدم» في دور والد رانيا فريد شوقي، كما شارك في مسلسل «الوتد» وعدد كبير من المسلسلات الاجتماعية والدينية والتاريخية. وقد نشأ في أسرة اهتمت بتربيته دينيًا، فحفظ القرآن الكريم في طفولته، ثم انتقلت أسرته إلى القاهرة، وهناك التحق بكلية الآداب بجامعة القاهرة.

وخلال سنوات دراسته الجامعية، وجد طريقه إلى الفن من خلال فريق التمثيل بالكلية، ولم يكن مجرد هاوٍ يقف على خشبة المسرح، وإنما أثبت موهبته مبكرًا، حتى حصل خلال فترة دراسته على كأس أحسن ممثل. لكن حياة فايق عزب لم تكن فنًا فقط، فقد كان للإسماعيلية مكان خاص في قلبه، وعندما وقع العدوان الإسرائيلي على مصر عام 1967، عاد الشاب محمد فايق عزب إلى مسقط رأسه، وشارك مع أبناء مدينته في مقاومة الاحتلال، وقام بتكوين فرقة من الفدائيين الذين تصدوا للقوات الإسرائيلية في الإسماعيلية، وظل هناك حتى عادت القوات المسلحة المصرية إلى المدينة، قبل أن يعود إلى القاهرة من جديد.
وهكذا كان الرجل الذي عرفه الجمهور بعد ذلك في أدوار الضباط والمسؤولين والأباء، يحمل في شبابه تجربة مختلفة، فقد كان واحدًا من أبناء جيله الذين لم يقفوا متفرجين على ما تعرضت له بلادهم، وإنما شاركوا بما استطاعوا في الدفاع عنها. وعلى مدار سنوات طويلة، ظل فايق عزب يعمل في هدوء، يؤدي أدواره بإخلاص، دون أن يبحث عن البطولة المطلقة أو يسعى إلى أن يكون نجم الشباك. وربما كانت هذه هي المفارقة في مشواره؛ فقد كان حضوره على الشاشة أكبر من مساحة اسمه على الأفيش.
وفي سبتمبر عام 2020 تعرض فايق عزب لحادث سقوط أمام منزله، أصيب على إثره في منطقة الرقبة والنخاع الشوكي، وأدى ذلك إلى إصابته بالشلل، وخضع لعملية جراحية لتوسيع النخاع الشوكي، ثم بدأ رحلة طويلة مع العلاج الطبيعي، وتحسنت حالته بصورة نسبية، حتى استطاع تحريك ذراعه، لكنه لم يستعد قدرته الطبيعية على الحركة. وبعد ذلك تعرض لالتهاب رئوي، وأظهرت الفحوصات إصابته بعدوى بكتيريا MRSA، وهي نوع من بكتيريا المكورات العنقودية الذهبية المقاومة لعدد من المضادات الحيوية، ما جعل حالته الصحية أكثر صعوبة.
ولم تتوقف معاناته عند هذا الحد، إذ أصيب كذلك بفيروس كورونا المستجد، ونُقل إلى مستشفى العزل بالعجوزة، وخاض أيامًا صعبة في مواجهة المرض، حتى رحل عن عالمنا في 19 نوفمبر عام 2020، عن عمر ناهز 77 عامًا. ودُفن فايق عزب في مقابر العائلة بمقابر الشهداء في مدينة الإسماعيلية، المدينة التي وُلد فيها، ومنها بدأ رحلته الوطنية قبل أن يبدأ رحلته الفنية. رحل فايق عزب في هدوء، كما عاش معظم سنواته بعيدًا عن صخب النجومية، لكن أعماله بقيت شاهدة على موهبته. وهو مثال للفنان الحقيقي الذي ينتمي إلى جيل كان يؤمن بأن الفن ليس فقط أن تكون بطلًا، وإنما أن تؤدي الدور الذي أسند إليك بأمانة، وأن تترك وراءك أثرًا حتى لو لم يكن اسمك مكتوبًا بأحرف كبيرة.
فايق عزب واحد من هؤلاء الفنانين الذين ربما لم يأخذوا حقهم من الشهرة، لكنهم أخذوا مكانهم في ذاكرة الجمهور، وسيظل وجهه حاضرًا كلما ظهرت إحدى الشخصيات التي جسدها على الشاشة. رحم الله الفنان فايق عزب، صاحب الصوت المميز والحضور الهادئ، الذي كان في شبابه فدائيًا يدافع عن بلده، وفي فنه ممثلًا محترمًا عاش ومات بعيدًا عن أي إساءة تذكر، وترك خلفه عشرات الأعمال التي تؤكد أن الأدوار الصغيرة قد يصنعها فنان كبير.




