ثقافة وفن

عادل أمين.. المحامي الذي أغلق مكتبه من أجل الفن

 

كتب/خطاب معوض خطاب

 

هناك فنانون لا يحتاجون إلى البطولة المطلقة حتى يظلوا في ذاكرة الناس، يكفي أن يظهروا على الشاشة في مشهد أو مشهدين، فتشعر أن الشخصية أصبحت جزءًا من نسيج العمل، وأن غيابها كان سيترك فراغًا واضحًا. ومن هؤلاء الفنان عادل أمين، صاحب الملامح الهادئة والحضور المميز، الذي استطاع على مدى سنوات طويلة أن يصنع لنفسه مكانة خاصة بين فناني الدراما المصرية. وولد عادل أمين في الإسكندرية في 20 أكتوبر 1935، ودرس الحقوق بجامعة الإسكندرية، وكان محبا الفن منذ سنوات الدراسة، فشارك في المسرح الجامعي، بعدما كان عضوا ثم رئيسا لفريق التمثيل بمدرسة رأس التين الثانوية. وبعد تخرجه لم يبدأ حياته الفنية مباشرة، بل عمل بالمحاماة وفتح مكتبًا لمزاولة المهنة، لكنه لم يستطع أن يطفئ بداخله ذلك الحلم القديم، وظل الفن يشده إليه حتى اتخذ قرارًا جريئًا بإغلاق مكتب المحاماة والتفرغ للتمثيل.

ولم يكن الطريق إلى الشهرة سريعًا، حيث بدأ مشواره الفني في أواخر سبعينيات القرن الماضي، وشارك في عدد من الأعمال التليفزيونية، وقدم أدوارًا صغيرة ومتوسطة، لكنه كان يمتلك شيئًا مهمًا للغاية؛ القدرة على أن يجعل المشاهد ينتبه إليه حتى لو لم يكن اسمه في صدارة الأبطال. ومع مرور الوقت بدأت ملامحه تصبح مألوفة لجمهور الدراما، وراح ينتقل من شخصية إلى أخرى، دون أن يحصر نفسه في قالب واحد، فمرة يظهر في شخصية جادة، ومرة في شخصية شعبية، وأخرى في شخصية تحمل قدرًا من الغموض أو النفوذ، وفي كل مرة كان يضع على الشخصية بصمته الخاصة.

 

وكانت مشاركته في مسلسل «رأفت الهجان» واحدة من أهم محطات حياته الفنية، ذلك العمل الذي ارتبط بوجدان المصريين والعرب، وقدم خلاله شخصية «عزرا صمويل». ورغم وجود عدد كبير من النجوم والشخصيات في المسلسل، استطاع عادل أمين أن يجعل «عزرا» شخصية لها حضورها وملامحها، وأن يثبت أن قيمة الممثل لا تقاس بمساحة الدور وإنما بقدرته على تقديمه بإقناع. وفي عام 1987 شارك في مسلسل «البشاير» مع محمود عبدالعزيز ومديحة كامل، وقدم شخصية «سعيد هلال»، ليواصل حضوره في واحد من الأعمال التي ظلت حاضرة في ذاكرة جمهور الدراما المصرية.

 

وفي العام نفسه جاء دوره الشهير في «ليالي الحلمية»، حيث قدم شخصية «طلعت الشماشرجي»، ضمن الملحمة الدرامية التي كتبها أسامة أنور عكاشة وأخرجها إسماعيل عبدالحافظ. وكان المسلسل عالمًا واسعًا امتلأ بالشخصيات والحكايات والتحولات الاجتماعية والسياسية، واستطاع عادل أمين أن يكون جزءًا مهمًا من هذا العالم، وأن يمنح شخصيته حضورًا جعلها باقية في ذاكرة المشاهد. ولم تتوقف مسيرته عند «رأفت الهجان» و«البشاير» و«ليالي الحلمية»، حيث شارك في عدد كبير من الأعمال المهمة، ومن بينها «أرابيسك»، الذي قدم فيه شخصية «عتوقة»، و«زيزينيا» الذي ظهر فيه بشخصية «هاري»، إلى جانب عشرات الأعمال السينمائية والتليفزيونية والمسرحية التي امتدت عبر سنوات طويلة.

 

واللافت في تجربة عادل أمين أنه لم يكن يطارد البطولة، ولم يكن يشترط أن يكون اسمه في المقدمة حتى يقبل الدور، ولذلك أصبح واحدًا من أهم ممثلي الأدوار المساعدة في الدراما المصرية، وعلى مدى ما يقرب من أربعة عقود، ظل يعمل بهدوء، ويضيف إلى رصيده شخصية وراء أخرى، حتى أصبح وجهه جزءًا من ذاكرة جيل كامل تربى على الدراما المصرية في عصرها الذهبي. وفي 26 نوفمبر 2018، رحل عادل أمين عن عمر ناهز 83 عامًا، بعد صراع مع المرض، ليفقد الفن المصري واحدًا من الفنانين الذين لم تكن شهرتهم قائمة على الصخب، وإنما على الاستمرار والإجادة والقدرة على ترك أثر حقيقي في كل شخصية قدموها.

رحل الرجل الذي درس الحقوق ومارس المحاماة، ثم أغلق مكتبه واختار طريق الفن، وكأنه كان يعرف أن الإنسان قد يستطيع أن يعيش في مهنة اختارها بعقله، لكنه لا يستطيع أن يعيش طويلًا بعيدًا عن الشيء الذي اختاره قلبه. وربما كانت أجمل شهادة لعادل أمين أن الجمهور لا يتذكره باعتباره مجرد اسم ظهر في عشرات المسلسلات، وإنما يتذكر شخصيات بعينها ارتبطت بوجهه وأدائه؛ تلك الشخصيات التي أصبحت جزءًا من ذاكرة الدراما المصرية. وهكذا بقي عادل أمين واحدًا من أولئك الفنانين الذين يؤكدون أن البطولة ليست في عدد المشاهد أو حجم الاسم على الأفيش، وإنما في أن يمر الفنان على الشاشة، ثم يترك وراءه شخصية يتذكرها الناس بعد سنوات طويلة.

 

نعم أغلق عادل أمين مكتب المحاماة بحثًا عن حلمه، لكنه فتح لنفسه مكانًا في ذاكرة المشاهدين، وظل فنه هو القضية التي لم يتخل عنها حتى رحيله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى