ثقافة وفن

الفنان عزت العلايلي في ذكرى ميلاده

 

كتب/خطاب معوض خطاب

 

 

هناك فنانون ينجحون في أن يصبحوا نجومًا، وهناك فنانون يتجاوزون النجومية نفسها، فيتحولون مع مرور السنوات إلى جزء من ذاكرة الوطن وملامح زمن كامل. وعندما نتحدث عن الفنان عزت العلايلي الذي ولد في مثل هذا اليوم منذ 92 عاما، فإننا لا نتحدث فقط عن ممثل صاحب موهبة كبيرة، وإنما عن فنان حمل على كتفيه أكثر من ستة عقود من تاريخ الفن المصري، وترك وراءه شخصيات لا تزال حاضرة في ذاكرة المشاهد حتى بعد رحيله.

ولد عزت حسن العلايلي في 15 سبتمبر 1934، بحي باب الشعرية في القاهرة، والتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية، وحصل على بكالوريوس المعهد عام 1960. لكن الطريق إلى الفن لم يكن مفروشًا بالورود أمامه، فقد تحمل مسؤولية رعاية شقيقاته بعد وفاة والده، واضطر في بداية حياته إلى العمل، كما عمل لفترة معدًا للبرامج التليفزيونية، قبل أن تأتيه الفرصة التي انتظرها طويلًا.

 

وفي عام 1962 ظهر عزت العلايلي سينمائيًا من خلال فيلم «رسالة من امرأة مجهولة» للمخرج صلاح أبو سيف، ثم شارك في العام نفسه في فيلم «بين القصرين»، ليبدأ مشوارًا طويلًا لم يكن مجرد رحلة بين عشرات الأفلام والمسلسلات والمسرحيات، وإنما رحلة صعود لفنان استطاع أن يثبت نفسه وسط أجيال متعاقبة من عمالقة الفن المصري.

 

وكان عزت العلايلي من نوعية الفنانين الذين لا يحتاجون إلى المبالغة في الأداء حتى يلفتوا الأنظار، فملامحه وحضوره وصوته وقدرته على التعبير كانت أدوات كافية لصناعة الشخصية. ولذلك استطاع أن يقدم الفلاح البسيط، والرجل المقهور، والمثقف، والضابط، والشخصية الشعبية، والرجل صاحب السلطة، وغيرها من الشخصيات التي اختلفت في الشكل والمضمون، بينما ظل عزت العلايلي حاضرًا فيها بروحه الخاصة.

ولعل شخصية عبد الهادي في فيلم «الأرض» عام 1970، من إخراج يوسف شاهين، كانت واحدة من العلامات الفارقة في مشواره، حيث قدم شخصية الفلاح المصري المرتبط بأرضه، وسط ملحمة سينمائية أصبحت واحدة من أهم علامات السينما المصرية. ولم تكن هذه هي المرة الأخيرة التي يلتقي فيها العلايلي بيوسف شاهين، فقد جمعتهما أعمال أخرى مهمة، منها «الاختيار» و«إسكندرية ليه؟».

 

ثم جاء «السقا مات»، ذلك الفيلم الذي قدم فيه عزت العلايلي شخصية المعلم شوشة، وهي من أصعب وأعمق الشخصيات التي قدمها خلال مشواره. شخصية رجل فقد الكثير ممن أحبهم، وأصبح الموت بالنسبة إليه هاجسًا يطارده، حتى جاءت المواجهة الأخيرة التي جعلت من أداء العلايلي في الفيلم واحدًا من المشاهد التي يصعب نسيانها. وقد اعتبر كثير من النقاد شخصية شوشة من أهم أدواره وأكثرها تركيبًا.

 

وفي «أهل القمة» ظهر العلايلي في مساحة مختلفة، بينما قدم في «الطوق والإسورة» تجربة أخرى كشفت قدرته على التعامل مع الشخصيات المركبة، كما شارك في أفلام مهمة مثل «قنديل أم هاشم»، و«زائر الفجر»، و«على من نطلق الرصاص»، و«إسكندرية ليه؟»، وغيرها من الأعمال التي جعلت اسمه مرتبطًا بالسينما الجادة التي تجمع بين القيمة الفنية والقدرة على الوصول إلى الجمهور.

 

واللافت أن عزت العلايلي لم يكن مجرد نجم لأفلام بعينها، وإنما كان حاضرًا في عدد كبير من الأفلام التي دخلت تاريخ السينما المصرية؛ فقد ضمت قائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية، وفق الاستفتاء الشهير للنقاد عام 1996، عشرة أفلام شارك في بطولتها، من بينها «بين القصرين»، و«قنديل أم هاشم»، و«الأرض»، و«الاختيار»، و«زائر الفجر»، و«على من نطلق الرصاص»، و«السقا مات»، و«إسكندرية ليه؟»، و«أهل القمة»، و«الطوق والإسورة».

 

ولم تتوقف موهبة عزت العلايلي عند السينما، فقد ترك بصمته في المسرح والتليفزيون والإذاعة أيضًا، ومن أعماله المسرحية المهمة «أهلًا يا بكوات» و«ثورة قرية»، كما قدم عبر الشاشة الصغيرة عددًا كبيرًا من الشخصيات التي أكدت أنه لم يكن نجمًا سينمائيًا فقط، وإنما فنانًا شاملًا قادرًا على التعامل مع مختلف الألوان الفنية.

 

وعندما رحل عزت العلايلي في 5 فبراير 2021، عن عمر ناهز 86 عامًا، لم يكن رحيل فنان عادي، وإنما كان غياب واحد من أصحاب البصمات التي يصعب تكرارها. فقد قضى أكثر من ستة عقود في الفن، وترك وراءه أعمالًا وشخصيات لا تزال تعيش في وجدان المشاهد المصري والعربي.

 

رحم الله عزت العلايلي، الفنان الذي لم تكن قيمته في عدد ما قدمه من أعمال فقط، وإنما في تلك البصمة التي تركها في تاريخ الفن المصري، وفي قدرته النادرة على أن يجعل المشاهد يصدق الشخصية قبل أن يعجب بالممثل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى