الفنانة تهاني راشد في عيد ميلادها

كتب/خطاب معوض خطاب
اليوم عيد ميلاد الفنانة الجميلة تهاني راشد، إحدى فنانات الزمن الجميل، التي امتد مشوارها الفني لأكثر من ستة عقود، وقدمت خلاله عشرات الأدوار في السينما والتليفزيون، ووقفت أمام عدد كبير من نجوم الفن الكبار، لكنها رغم هذا المشوار الطويل لم تحظَ بالشهرة الواسعة إلا متأخرًا، وبالتحديد عندما جسدت شخصية «سيرينا أهاروني» في الجزء الثاني من مسلسل «رأفت الهجان».
ولدت تهاني راشد في 11 سبتمبر 1935 بحي الروضة في القاهرة، وتخرجت في كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية بجامعة القاهرة، ولم تكن بدايتها الفنية من خلال اختبار تقليدي، فقد شاهد المخرج محمد كريم صورتها في إحدى المجلات، فسأل عنها وتعرف عليها، وأسند إليها دورًا صغيرًا في فيلم «دليلة» الذي عرض سنة 1956، لتبدأ من هناك رحلة فنية طويلة شاركت خلالها في أعمال مهمة مع نجوم كبار مثل عبد الحليم حافظ وشادية وإسماعيل ياسين وعمر الشريف ورشدي أباظة وشكري سرحان وغيرهم.
واللافت أن تهاني راشد، رغم أنها دخلت عالم الفن منذ منتصف خمسينيات القرن العشرين، لم تصبح معروفة على نطاق واسع إلا بعد 34 عامًا تقريبًا من ظهورها الأول، حين قدمت شخصية «سيرينا أهاروني» في الجزء الثاني من «رأفت الهجان» سنة 1990، وهي الشخصية التي صنعت لها مكانة خاصة في ذاكرة الجمهور المصري.
وخلال سنوات عملها الطويلة، قدمت تهاني راشد شخصيات متنوعة في السينما والتليفزيون، فلم تحصر نفسها في شكل واحد، بل ظهرت في أدوار البنت المصرية في الريف والصعيد، وفي المناطق الشعبية والطبقات الأرستقراطية، ومن أعمالها السينمائية «جميلة» التي جسدت فيه شخصية إحدى المجاهدات الجزائريات، و«صراع في النيل» في دور ورد، خطيبة الفنان عمر الشريف، و«إحنا التلامذة» في دور شقيقة الشريف، و«البوليس السري» في دور وزة، ابنة خال إسماعيل ياسين وخطيبته.
وفي التليفزيون شاركت في عدد من المسلسلات المهمة، منها «زينب والعرش»، و«محمد رسول الله» الجزء الرابع، و«حصاد الشر»، و«اللقاء الثاني»، و«اليقين»، و«الرحايا»، و«زيزينيا»، و«سلطانة المعز»، و«دموع صاحبة الجلالة» وغيرها من الأعمال التي أكدت أنها لم تكن مجرد فنانة تؤدي أدوارًا عابرة، وإنما صاحبة موهبة وثقافة وحضور خاص.
ومن المفارقات اللافتة في مشوارها الفني أنها كانت زوجة المخرج الراحل يحيى العلمي، أحد أهم مخرجي الدراما المصرية، ومع ذلك لم يعتمد عليها كثيرًا في أعماله، ولم يكن وجودها في أعماله أمرًا متكررًا كما قد يتوقع البعض. فقد أسند إليها دور «سعاد حرب» في مسلسل «زينب والعرش» بعد ما يقرب من عشر سنوات على زواجهما، ثم لم تتكرر مشاركتها معه إلا بعد نحو عشر سنوات أخرى، عندما قدمت شخصية «سيرينا أهاروني» في الجزء الثاني من «رأفت الهجان»، ثم ظهرت معه بعد ذلك في مسلسل «لا».
لكن يبقى دور «سيرينا أهاروني» هو العلامة الأبرز في مشوار تهاني راشد، ليس فقط لأنه كان سببًا في اتساع شهرتها، وإنما لأنها قدمت الشخصية بقدر كبير من الصدق والتمكن، حتى إن الجمهور المصري أحبها وأحب الشخصية التي قدمتها، رغم أنها كانت تجسد امرأة يهودية تعيش في إسرائيل.
استطاعت تهاني راشد أن تجعلنا نصدق أنها «سيرينا أهاروني»، المرأة اليهودية المثقفة التي تعيش في تل أبيب، وتنتقد سياسات الحكومة الإسرائيلية، وتتعامل مع ديفيد شارل سمحون، الذي يجسده الفنان عادل إمام، بحب أخوي صادق، وتخاف عليه وتدعمه، حتى إن رأفت الهجان فكر في تجنيدها، قبل أن يعرف من رجال المخابرات المصرية أن انتقادها لسياسات بلدها لم يكن نابعًا من خيانة أو رغبة في الإضرار بها، وإنما من حبها لوطنها ورغبتها في أن تراه أفضل.
وهنا تظهر قيمة الفنان الحقيقي؛ فالموهبة لا تقاس بعدد البطولات ولا بمساحة الدور، وإنما بقدرة الفنان على أن يجعل الشخصية التي يؤديها حقيقية ومقنعة وقريبة من وجدان المشاهد. وهذا ما فعلته تهاني راشد في «سيرينا أهاروني»، فقد أدت الشخصية ببساطة وهدوء ومن دون افتعال، فبقيت في الذاكرة رغم مرور سنوات طويلة على عرض المسلسل.
وفي عيد ميلادها، لا نملك إلا أن نتذكر فنانة عاشت للفن أكثر من ستين عامًا، ولم يكن همها أن تكون دائمًا في المقدمة، لكنها تركت وراءها مجموعة من الشخصيات والأعمال التي تؤكد أن الفن الحقيقي لا يرتبط دائمًا بالشهرة، وأن بعض الفنانين قد تتأخر معرفتنا بقيمتهم، لكن حين نكتشفهم يصعب أن ننساهم.
كل عام والفنانة القديرة تهاني راشد بخير، ونتمنى لها العمر الطويل والصحة والسعادة، وأن تظل «سيرينا أهاروني» واحدة من الشخصيات التي لا يمكن أن نتذكرها إلا ونستحضر معها أداء تهاني راشد المميز.




