ثقافة وفن

الدكتور سمير الملا.. في ذكرى وفاته

 

كتب/ خطاب معوض خطاب

 

 

في حياة بعض الفنانين حكايات تستحق أن تُروى، ليس لأن أصحابها كانوا أبطالًا أو نجوم شباك، وإنما لأن الطريق الذي ساروا فيه كان مختلفًا عن المعتاد. ومن بين هؤلاء يأتي الدكتور سمير الملا الذي رحل عن الدنيا في يوم السادس من سبتمبر عام 2021، ذلك الرجل الذي اختار الطب مهنة وحياة، وتخصص في جراحة المخ والأعصاب، ووصل إلى مكانة أكاديمية كبيرة، لكنه في الوقت نفسه وجد لنفسه مكانًا أمام الكاميرا، فجمع بين عالمين لا يجتمعان عادة إلا في الحكايات النادرة. كان سمير الملا في الأساس طبيبًا، والطبيب هنا ليس وصفًا عابرًا لشخصية فنية أدت دور طبيب في فيلم أو مسلسل، وإنما كانت مهنته الحقيقية التي أفنى فيها سنوات طويلة من عمره.

 

ولد في الأول من يناير عام 1940، والتحق بكلية الطب بجامعة عين شمس، وحصل على بكالوريوس الطب والجراحة عام 1964، ثم حصل على دبلوم الجراحة العامة عام 1967، وواصل رحلته العلمية حتى حصل على زمالة الكلية الملكية للجراحين بإدنبرة ثم لندن. ولم يكن طموحه العلمي محدودًا بالحصول على الشهادات وممارسة المهنة، فقد أصبح أستاذًا لجراحة المخ والأعصاب بجامعة عين شمس، وتولى رئاسة القسم في مستشفى الجامعة التخصصي، ليصبح واحدًا من المتخصصين في مجال شديد الدقة، يحتاج إلى سنوات طويلة من الدراسة والخبرة والتركيز.

لكن بعيدًا عن غرف العمليات والمدرجات الجامعية، كانت هناك كاميرا تنتظره في مكان آخر.

 

لم نعرف سمير الملا نجمًا يسعى إلى البطولة، ولم يكن الفن بالنسبة إليه بابًا يبحث من خلاله عن الشهرة، فقد ظل الطب هو عالمه الأساسي، بينما جاء التمثيل كمساحة أخرى استطاع من خلالها أن يقدم موهبته بهدوء. وكان من الطبيعي أن يبدو مقنعًا عندما يجسد شخصية الطبيب، فهو لا يحتاج إلى أن يتعلم كيف يمسك السماعة الطبية أو كيف يتحدث بلغة الأطباء، لأنه عاش تلك التفاصيل في حياته اليومية، ويعرف جيدًا شكل الطبيب وطريقة حديثه وتعاملاته. بدأت رحلته مع التمثيل في أواخر سبعينيات القرن الماضي، وظهر في مسلسل «مبروك جالك ولد» عام 1978، ثم شارك في مسلسل «دموع في عيون وقحة» عام 1980، ومسلسل «عم حمزة» عام 1981.

وفي السينما ظهر في فيلم «لا تبكي يا حبيب العمر» عام 1979، ثم توالت مشاركاته في أفلام ومسلسلات مختلفة، من بينها «أيوب» عام 1983، و«عندما يأتي المساء» عام 1985. ومع نهاية ثمانينيات القرن العشرين كان قد أصبح واحدًا من تلك الوجوه التي يراها المشاهد فيتعرف إليها، حتى لو لم يكن يعرف اسمها، فظهر في «الإرهاب» و«إلى أين تأخذني هذه الطفلة» عام 1989. ثم جاءت تسعينيات القرن العشرين، وهي فترة شهدت حضورًا متواصلًا له على الشاشة، فشارك في الجزء الثاني من «رأفت الهجان» عام 1990، كما ظهر في أعمال مثل «سبعة وجوه للحقيقة»، و«في المرآة»، و«الخروج من الدائرة»، و«أيام الغياب»، و«يوميات فكري أباظة»، و«أهل الطريق»، و«أمهات في بيت الحب»، و«صباح الورد».

 

وفي السينما شارك في «الرقص مع الشيطان»، و«الحب بين قوسين» عام 1993، ثم «السيد كاف» عام 1994، و«قشر البندق» عام 1995. ولم يتوقف حضوره عند حدود جيل بعينه، فمع بداية الألفية الجديدة ظهر في مجموعة من الأعمال التليفزيونية، من بينها «الفرار من الحب»، و«بنات أفكاري»، و«إحنا نروح القسم»، و«أين قلبي»، و«الأصدقاء»، و«البنات»، و«محمود المصري»، ثم «مباراة زوجية»، و«سوق الخضار»، و«قلب امرأة»، و«عسكر وحرامية»، و«عزيز على القلب»، و«قلب ميت»، و«حضرة الضابط أخي»، و«اغتيال شمس»، و«مشرفة.. رجل لهذا الزمان». وفي السينما كان من بين أعماله فيلم «التوربيني» عام 2007، ليظل حاضرًا أمام الكاميرا حتى سنوات متقدمة من عمره. وكان آخر ظهور له على الشاشة من خلال مسلسل «صاحب السعادة» عام 2014.

 

وإذا كان بعض الفنانين قد قضوا عمرهم كله يبحثون عن البطولة، فإن سمير الملا لم يكن كذلك. كانت البطولة في حياته الحقيقية موجودة في مكان آخر؛ في غرفة العمليات، وفي الجامعة، وفي سنوات الدراسة والعمل التي جعلته أستاذًا وجراحًا متخصصًا. أما الفن، فلم يكن بالنسبة له معركة من أجل الأضواء، وإنما يبدو أنه كان مساحة يحبها ويستمتع بها، ولذلك لم يحتج إلى أن يكون بطلًا حتى يظل موجودًا. وهنا تكمن قيمة حكايته. فهو لم يكن ممثلًا ترك الطب ليتفرغ للفن، ولم يكن فنانًا حمل لقب الطبيب من باب الوجاهة، بل كان طبيبًا حقيقيًا له مكانته العلمية، دخل عالم التمثيل وترك فيه أثرًا هادئًا.

 

وربما لهذا السبب تحديدًا كانت أدواره تحمل نوعًا من الصدق الخاص، خصوصًا عندما يجسد شخصية الطبيب؛ فالمشاهد أمام ممثل يعرف المهنة التي يؤديها من الداخل، وليس مجرد فنان ارتدى بالطو أبيض أمام الكاميرا. ومع ذلك، فإن اسم سمير الملا لم يحصل على الشهرة التي حصل عليها كثير من أبناء جيله، وربما مر كثيرون على أعماله دون أن يعرفوا أن هذا الوجه الذي يظهر أمامهم هو في الأصل أستاذ جامعي وجراح مخ وأعصاب. وفي السادس من سبتمبر عام 2021، رحل الدكتور والفنان سمير الملا عن عالمنا عن عمر ناهز 81 عامًا، لتنتهي حياة رجل عاش بين عالمين؛ عالم العلم الذي جعله طبيبًا وأستاذًا، وعالم الفن الذي منحه فرصة أخرى ليترك أثرًا في وجدان الناس.

 

رحل سمير الملا، لكن حكايته تظل واحدة من الحكايات الجميلة التي تؤكد أن الإنسان قد يحمل أكثر من موهبة، وأن النجاح ليس دائمًا في أن تصبح نجمًا يعرف الجميع اسمك، وإنما أحيانًا يكون في أن تؤدي دورك بإخلاص في كل مكان تصل إليه. كان طبيبًا يعالج المرضى، وأستاذًا يعلّم الأجيال، وفنانًا وقف أمام الكاميرا دون أن يتخلى عن عالمه الأول. ولذلك، حين نتذكر اليوم الدكتور سمير الملا، فنحن لا نتذكر مجرد ممثل ظهر في عشرات الأعمال، وإنما نتذكر رجلًا استطاع أن يعيش حياتين مختلفتين، وأن يترك في كل واحدة منهما أثرًا يستحق أن يُروى.

 

رحم الله الدكتور والفنان سمير الملا، أحد تلك الوجوه الفنية التي ربما لم تأخذ حقها كاملًا من الشهرة، لكنها أخذت مكانها في ذاكرة المشاهد بمجرد أن ظهرت أمامه على الشاشة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى