لوتولي يصرخ: دع قومي وشأنهم

كتب ..معتز محسن عزت
يعتبر الزعيم الجنوب أفريقي “ألبرت جون لوتولي”، من الأسماء البارزة في عالم النضال الوطني الجنوب أفريقي، وقت المقاومة الملحوظة لنظام الأبارتيهايد – الفصل العنصري – الذي طُبق من قِبل المستعمرين البيض بجنوب أفريقيا، حيث الفصل الوظيفي والتعليمي بين البيض والسود، وهو ما قاومه “لوتولي” بضراوة وقوة عبر سياسة المقاومة السلمية؛ المستلهمة من سياسة السيتياجراها – نبذ العنف – للزعيم الهندي “موهانداس كرُمشند غاندي”، التي أرساها بجنوب أفريقيا وقت عمله بها كمحامي لإحدى الشركات البريطانية.
عاصر “لوتولي” الكفاح السلمي ل”غاندي” بجنوب أفريقيا، حيث أتت سياسة نبذ العنف بثمارها اليانعة بل أعادت للهند هويتها المفقودة من بين براثن المستعمر البريطاني، وهو ما حمس “لوتولي” المدرس والمعلم، الذي وجد سمات المقاومة السلمية في تعاليم الكتاب المقدس، الذي نهله في تعليمه الكهنوتي وصار مبدأً له في نضاله الثوري، لينضم لحزب”المؤتمر الوطني الإفريقي” في العام 1944، وهو في السادسة والأربعين من عمره ومن ثم تولى رئاسة الحزب ما بين عامي 1951 و1958.
يعتبر “ألبرت جون لوتولي” هو الأستاذ الروحي للمناضل الأشهر “نيلسون مانديلا”، الذي آمن لفترة بسياسة المقاومة السلمية، لكنه سرعان ما نبذها، داعيًا الشعب الجنوب أفريقي باللجوء لسياسة العنف المسلح من أجل تحرير أراضيهم من التسلط الاستعماري الأبيض، متخذًا لقب الماديبا – كبير القبيلة – في مليشيته التي كونها لطرد المستعمرين من الأراضي السمراء.
قام “ألبرت جون لوتولي” بكتابة سيرته الذاتية بعنوان “دع قومي وشأنهم”، مستلهمًا العنوان من مقولة نبي الله موسى عليه السلام الواردة بسفر الخروج في العهد القديم: “أَطْلِقْ شَعْبِي لِيَعْبُدُونِي فِي الْبَرِّيَّةِ”، مقارنًا بين مصير موسى وقومه بمصيره هو وقومه من حيث رفضهم للعبودية.
وضح من كتاب “لوتولي”، مدى تأثره بالرموز التوراتية في دعوته السلمية للحرية والكرامة الإنسانية وإيمانه العميق برفض الخنوع، وهو ما جعل أبناء جنوب أفريقيا يطلقون عليه لقب “موسى الأسمر”.
أطلق “لوتولي” صرخاته الهادئة، منبهًا الجميع بضرورة التمسك بالمقاومة السلمية المستمدة من معتقداته المسيحية والسياسية، رغم العنف الذي واجهه من السلطات الاستعمارية، مؤكدًا على مدى كاريزمته المدهشة في قيادة أبناء جلدته، في مقاومة النبذ العنصري بالصمت الفعال رغم شراسة الخصم، مؤكدًا بأن بالمقاومة السلمية تأتي بثمار الحرية اليانعة لاتكائها على القوة والقيم الأخلاقية المؤدية للوصول لقمة النصر المأمول.
بناءً على هذا السجل الحافل ل”لونولي”، منحه البرلمان النرويجي جائزة نوبل للسلام في العام 1960؛ لدفاعه المستمر عن العدالة والمساواة والسلام بين جميع البشر دون تبني خطاب الكراهية، وقت قيادته لمسيرات سلمية لملايين السود ضد عنف السلطات البيضاء.
يعتبر “ألبرت جون لوتولي” أول أفريقي يُمنح جائزة نوبل للسلام، وقد كانت سياسته المفتاح السحري لتكرار منح الجائزة لمبدأ نبذ العنف، من خلال منحها للزعيم الأفرو أمريكي مارتن لوثر كنج – زعيم المؤتمر المسيحي الجنوبي – في العام 1964، كدليل توكيدي على فاعلية المقاومة السلمية، من خلال صيحته الشهيرة “لدي حلمًا” في مسيرته السلمية أمام النصب التذكاري للرئيس “إبراهام لينكولن” بواشنطن في 28 أغسطس من العام 1963.




