مشروع رقمنة تراث ماسبيرو بقلم الإعلامية أمل مسعود

ساعة من تراث ماسبيرو، تنفيذًا للتوجيهات الرئاسية بالحفاظ على ذاكرة مصر الإعلامية وصونها للأجيال القادمة.
ويستهدف المشروع إتاحة التراث الإذاعي والتلفزيوني المصري بصورة حديثة تواكب التطورات التكنولوجية، وتخدم الأغراض الثقافية والتعليمية والإعلامية.
إنه استثمار حقيقي يعزز القوة الناعمة المصرية، ويحافظ على الهوية الوطنية، ويدعم دور الإعلام في بناء الجمهورية الجديدة.
## مصر تستثمر ذاكرتها وتبني إعلام المستقبل
يمثل أرشيف ماسبيرو سجلًا حيًّا لتاريخ مصر السياسي والاجتماعي والثقافي والفني، بما يتضمنه من أصوات وصور وبرامج ووثائق نادرة شهدت على أحداث صنعت تاريخ الوطن.
ويستهدف المشروع حصر وتوثيق وفهرسة ما يقرب من مليون شريط صوتي ومرئي، بإجمالي يصل إلى نحو 800 ألف ساعة من المحتوى التاريخي النادر.
ويغطي هذا الأرشيف أكثر من 92 عامًا من الإنتاج الإذاعي المصري، إلى جانب نحو 66 عامًا من الإنتاج التلفزيوني، وهو ما يجعله واحدًا من أهم وأكبر الأرشيفات الإعلامية في المنطقة العربية. ر عملية الرقمنة على تحويل الأشرطة القديمة إلى ملفات رقمية، بل تشمل إنشاء قواعد بيانات منظمة ومفهرسة، تتيح حفظ المواد الإعلامية واسترجاعها والبحث داخلها بسهولة ودقة.
كما يعتمد المشروع على أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي في الفهرسة والتصنيف، والتعرف على الأشخاص والأماكن والأحداث، بما يساعد الباحثين والإعلاميين وصُنّاع المحتوى على الوصول إلى المواد المطلوبة في وقت قصير.
وتتضمن المنظومة إنشاء مركزي بيانات حديثين، أحدهما داخل مبنى الهيئة الوطنية للإعلام والآخر خارجه، لضمان استمرارية العمل وحماية المحتوى من التلف أو الفقد.
ويُحفظ الأرشيف داخل بيئة رقمية سيادية مؤمّنة وغير متصلة بشبكة الإنترنت، بما يوفر أعلى مستويات الحماية والأمان لهذا الكنز الإعلامي الوطني.
كما يشمل المشروع ربط 28 استوديو داخل الهيئة الوطنية للإعلام بمنظومة إدارة المحتوى الجديدة، لدمج الأرشيف التاريخي مع الإنتاج الإعلامي الحالي داخل بيئة رقمية موحدة. فيذ المشروع بالتعاون مع شركات متخصصة، من بينها أورنچ مصر وهواوي وشركة «ممنون» العالمية المتخصصة في رقمنة الأرشيفات التاريخية.
ومن المقرر تنفيذ المشروع خلال عامين، رغم أن المشروعات المماثلة بهذا الحجم قد تستغرق عادة ما بين أربع وخمس سنوات.
ولهذا وُضعت خطة تنفيذ استثنائية تعتمد على العمل المتواصل على مدار 24 ساعة يوميًا، من خلال ثلاث ورديات، وتنفيذ عدد من مراحل المشروع بالتوازي دون التأثير في جودة المواد الرقمية.
ويتضمن المشروع كذلك تدريب نحو 150 متخصصًا من الكوادر المصرية على أحدث تقنيات الرقمنة وإدارة المحتوى، لبناء خبرات وطنية قادرة على إدارة هذا المشروع وتنفيذ مشروعات مماثلة مستقبلًا. تهدف الانتهاء من رقمنة نحو 41% من المحتوى التلفزيوني بالمشروع بحلول شهر أبريل 2027، في خطوة مهمة ضمن مراحل التنفيذ المتتابعة. منة هذا التراث آفاقًا واسعة لإعادة تقديم الأعمال الإذاعية والتلفزيونية القديمة عبر المنصات الرقمية، بما يتناسب مع أساليب مشاهدة المحتوى الحديثة.
كما تتيح للأجيال الجديدة التعرف على تاريخ الإعلام المصري، والاستفادة من البرامج الثقافية والفنية والتعليمية التي أسهمت في تشكيل وجدان الشعب المصري والعربي.
وسيصبح من الممكن توظيف هذا المحتوى في الأفلام الوثائقية والبرامج التعليمية والأبحاث التاريخية والإنتاجات الدرامية والثقافية الجديدة.
ومن شأن المشروع أيضًا أن يسهم في حماية حقوق الدولة المصرية في محتواها الإعلامي، وتحويل هذا التراث إلى أصول رقمية قابلة للاستثمار وإعادة الاستخدام وفق ضوابط واضحة.
إن رقمنة تراث ماسبيرو ليست مجرد عملية فنية أو تكنولوجية، بل هي مشروع قومي لحماية الذاكرة الوطنية من عوامل الزمن والتلف والنسيان.
فالتراث الذي يحتضنه ماسبيرو لا يُقدّر بثمن؛ لأنه يحمل أصوات كبار القراء والمفكرين والأدباء والفنانين والإعلاميين الذين أسهموا في بناء الوعي المصري والعربي.
وفي هذه التسجيلات توثيق للحروب والانتصارات، والمناسبات الوطنية، والخطب التاريخية، والأعمال الفنية، والبرامج الدينية والثقافية التي عاشت في وجدان الملايين.
أما لحظة الإعلان عن انطلاق مشروع الرقمنة، فقد كانت من أسعد لحظات حياتي؛ لأنني تشرفت بأن أكون ضمن اللجنة المنوط بها العمل على حفظ التراث الإذاعي والتلفزيوني.
وكانت اللجنة تنعقد بصفة دورية، مرة كل أسبوع، من أجل وضع اللبنات الأولى لهذا المشروع القومي الكبير.
لقد كان العمل داخل اللجنة مسؤولية وطنية، وإيمانًا بأن ما نملكه داخل مكتبات ماسبيرو ليس مجرد أشرطة قديمة، بل صفحات حية من تاريخ مصر وذاكرتها.
واليوم، مع ميلاد مشروع رقمنة تراث ماسبيرو، أشعر بالسعادة والأمل في مستقبل إعلام مصري قوي وحر ومهني.
إعلام قادر على قيادة العالم العربي، واستعادة مكانته باعتباره منارة للوعي والثقافة والتنوير.
إعلام يحارب الجهل والفساد والشائعات، ويقدم للمواطن المعرفة الصادقة والمعلومة الدقيقة والمحتوى الهادف.
ويظل نجاح المشروع مرتبطًا باستمرار العمل على إتاحة هذا التراث للجمهور، وعدم الاكتفاء بحفظه داخل الخوادم وقواعد البيانات.
فالهدف الحقيقي هو أن يصل هذا التاريخ إلى المدارس والجامعات والمراكز الثقافية والباحثين والشباب المصري والعربي.
إن الدولة التي تحافظ على ذاكرتها تستطيع أن تفهم حاضرها، وتخطط لمستقبلها بثقة ووعي.
ومشروع رقمنة تراث ماسبيرو يؤكد أن مصر لا تحفظ الماضي فقط، بل تستثمر فيه لتصنع إعلام المستقبل.
إنه مشروع يعيد الحياة إلى كنوز صوتية ومرئية لا مثيل لها، ويحفظها من الضياع، ويقدمها إلى العالم بصورة عصرية تليق بتاريخ مصر ومكانتها.
حفظ الله مصر، وحفظ إعلامها وتراثها، ووفق جميع القائمين على هذا المشروع القومي العظيم.




