مقالات

السيد بدير.. فنان أضحك الناس وأخفى وجعًا كبيرًا

 

كتب/خطاب معوض خطاب

لم يكن السيد بدير الذي رحل عن الدنيا في مثل هذا اليوم منذ 40 عاما مجرد ممثل اشتهر بأدواره الكوميدية، ولا مجرد كاتب سيناريو أو مخرج مرّ على تاريخ الفن المصري، وإنما كان واحدًا من هؤلاء الفنانين الذين يصعب وضعهم في خانة واحدة، حيث كتب ومثّل وأخرج، وترك بصمته في السينما والمسرح والإذاعة، حتى استحق أن يلقب بـ«شيخ كتاب الحوار». وولد السيد بدير في القاهرة في 11 يناير 1915، وكان والده مدرسًا للتربية البدنية بمدرسة رقي المعارف الثانوية بجزيرة بدران بشبرا، وهناك بدأت علاقته بالفن، إذ انضم إلى فريق التمثيل في المدرسة، وكأن الطريق الذي سيقوده بعد ذلك إلى عالم الفن كان قد بدأ مبكرًا.

 

حصل على البكالوريا عام 1932، ثم التحق بكلية الطب البيطري، لكنه اكتشف أن قلبه في مكان آخر، فترك الطب واختار الفن، وهو قرار لم يكن سهلًا في ذلك الوقت، لكنه أثبت فيما بعد أنه كان يعرف جيدًا أين يريد أن يكون. بدأ مشواره السينمائي عام 1936 بأدوار صغيرة في أفلام مثل «تيتا ووننج» و«شيء من لا شيء»، ولم يكن يدري أن هذه الأدوار المحدودة ستكون بداية مشوار طويل سيجعله واحدًا من أهم رجال الفن في مصر. ولأن الموهبة الحقيقية لا تبقى مخفية طويلًا، التفت إليه المخرج صلاح أبو سيف، وطلب منه كتابة سيناريو وحوار فيلم «دايما في قلبي»، ومن هنا بدأ وجه آخر من موهبة السيد بدير في الظهور، فلم يعد مجرد ممثل، وإنما أصبح كاتبًا له حضوره وقدرته على صناعة الحوار والشخصيات.

 

كتب السيد بدير العديد من الأعمال التي بقيت في ذاكرة السينما المصرية، وشارك في كتابة سيناريوهات لأفلام مهمة مثل «أنا حرة» و«جعلوني مجرمًا»، كما ارتبط اسمه بأعمال أخرى أصبحت من علامات السينما المصرية. وحصل عن أعماله على جوائز،د متعددة، كما مُنح وسام العلوم والفنون من الدرجة الأولى عام 1975. لكن الجمهور ربما يكون قد عرفه أكثر من خلال وجهه كممثل، وخاصة شخصية «عبدالموجود ابن كبير الرحيمية قبلي»، التي قدمها عام 1949، وأصبحت من الشخصيات التي ارتبط بها اسمه. ولم يكتف السيد بدير بالسينما، حيث اتجه إلى المسرح والإخراج، كما كان واحدا من رواد الإذاعة المصرية، وعمل بها مؤلفًا ومخرجًا وممثلًا، وتدرج في مواقعها حتى أصبح واحدا من كبار المخرجين، وكتب وأخرج مئات الأعمال الإذاعية.

 

وكانت الإذاعة بالنسبة إليه أكثر من مجرد عمل؛ فقد كانت مساحة أظهر فيها قدرته الكبيرة على الكتابة وصناعة الشخصيات من خلال الصوت فقط، قبل أن تصبح الصورة هي الوسيلة الأساسية التي يعرف بها الجمهور الفنان. ورغم كل هذا النجاح، فإن حياة السيد بدير لم تكن كلها أضواء وتصفيقًا. وتزوج السيد بدير مرتين، وأنجب من زواجه الأول ثلاثة أبناء وبنتين، ثم تزوج الفنانة شريفة فاضل وأنجب منها ولدين. لكن الحياة حملت له مأساة قاسية، إذ استشهد ابنه الملازم أول طيار السيد السيد بدير قبل حرب أكتوبر 1973 بقليل، وهي خسارة تركت في قلبه جرحًا لا يمكن أن تمحوه سنوات الشهرة والنجاح.

 

وربما لهذا السبب يبدو لقب «أبو الشهيدين» الذي ارتبط أكثر قسوة من أي لقب فني، لأنه يذكرنا بأن الفنان الذي كان يدخل على الناس بالضحكة، كان يحمل في حياته الخاصة أحزانًا لا يراها الجمهور. حيث استشهد ابنه سعيد السيد بدير العالم المصري الذي تخصص في مجال الاتصال بالأقمار الصناعية والمركبات الفضائية خارج الغلاف الجوي، وذلك بعد وفاة والده بما يقرب من 3 سنوات. وأخرج السيد بدير نحو 25 فيلمًا، من بينها «عمالقة البحار» و«الزوجة العذراء» و«أم رتيبة»، واستمر في العمل بين السينما والمسرح والإذاعة، وظل حاضرًا في المشهد الفني لسنوات طويلة. وكان آخر أفلامه كممثل «عمل إيه الحب في بابا» عام 1980.

 

وفي 30 أغسطس 1986، رحل السيد بدير عن عالمنا، عن عمر ناهز 71 عامًا. رحل الرجل الذي ترك الطب من أجل الفن، فلم يكن قراره مجرد هروب من مهنة إلى أخرى، وإنما كان بحثًا عن المكان الذي يستطيع فيه أن يكون نفسه. رحل الممثل الذي أضحك الناس، والكاتب الذي صنع حوارات وشخصيات عاشت بعده، والمخرج الذي وقف خلف الكاميرا، والرجل الذي خدم الفن من الإذاعة والمسرح والسينما. لكن الأهم أنه ترك لنا درسًا ربما لا يقل قيمة عن أعماله: أن الفنان الحقيقي ليس هو من يظهر كثيرًا، وإنما من يترك أثرًا لا يختفي بعد أن يغيب.

 

رحم الله السيد بدير، أحد أبناء زمن الفن الجميل، الذي عاش فنانًا متعدد المواهب، ورحل تاركًا وراءه أعمالًا وذكريات، ووجهًا قد لا يتذكر كثيرون كل تفاصيل رحلته، لكنهم بالتأكيد يتذكرون ابتسامته وصوته وشخصياته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى