على حافة الانفجار: هرمز يختنق.. والعالم يترقب، ومصر تتحرك بحكمة القوة يكتبه خالد صالح:

لم تعد الأزمة بين طهران وواشنطن خبرًا عابرًا في نشرات الأخبار، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة العالم على تجنب مواجهة قد تعيد رسم خرائط النفوذ وتدفع الاقتصاد الدولي إلى حافة الهاوية. نحن أمام لحظة فارقة: صراع إرادات، لا تُسمع فيه فقط أصوات السياسة، بل يُقاس صداه في أسعار الوقود، وكلفة الغذاء، واستقرار الأسواق..
في قلب هذه اللحظة، يقف مضيق هرمز كأخطر نقطة على الخريطة. ممر ضيق، لكنه يحمل على عاتقه شريان الطاقة العالمي. ما يقرب من خُمس نفط العالم يمر من هنا يوميًا. أي اضطراب—ولو محدود—يعني قفزة فورية في الأسعار، وتوترًا في سلاسل الإمداد، وضغطًا مباشرًا على اقتصادات الدول، خاصة تلك التي تعتمد على الاستيراد..
اللافت أن التصعيد الحالي لا يسير في خط مستقيم نحو الحرب، بل يتحرك في مسار أكثر تعقيدًا: “حافة الهاوية دون السقوط”. رسائل قوة متبادلة، انتشار عسكري محسوب، وتهديدات تُطلق بقدر ما تُسحب. لكن هذا التوازن الهش يحمل في داخله أخطر ما يمكن: خطأ واحد في الحسابات قد يشعل مواجهة لا يمكن إيقافها..
الولايات المتحدة ترى أن تأمين الملاحة في الخليج مسألة سيادة وهيبة، وإيران تدرك أن موقعها الجغرافي يمنحها ورقة ضغط لا تُقدّر بثمن. بين هذا وذاك، تتحول المنطقة إلى مسرح مفتوح لكل السيناريوهات، من مناوشات محدودة إلى صدام أوسع.
لكن ما يجب أن يُقال بوضوح: هذه ليست معركة بعيدة. ما يحدث هناك يُترجم هنا فورًا. ارتفاع النفط ليس رقمًا في البورصة، بل فاتورة أعلى يدفعها المواطن، وسلع ترتفع أسعارها، وضغوط اقتصادية تتسع. هرمز ليس مجرد مضيق… بل مؤشر يومي على استقرار حياتنا..
وسط هذا المشهد المضطرب، تتحرك مصر بثقل دولة تعرف جيدًا معنى الاستقرار في منطقة مضطربة. القاهرة لا تنجرف خلف التصعيد، ولا تقف موقف المتفرج، بل تمارس دبلوماسية نشطة تقوم على التهدئة، ومنع الانفجار، والدفع نحو حلول سياسية تحفظ توازن المنطقة.
قوة الموقف المصري تكمن في توازنه. علاقات ممتدة مع أطراف متعددة، ورؤية واضحة بأن أي حرب جديدة لن تخلق منتصرين، بل ستفتح أبوابًا للفوضى لا يمكن إغلاقها بسهولة. من هنا، تأتي التحركات المصرية كجزء من جهد أوسع لإعادة صوت العقل إلى طاولة تتزايد عليها رهانات القوة.
كما أن مصر تدرك أن أمن الملاحة في الخليج يرتبط بشكل وثيق بأمن قناة السويس، الشريان الآخر الذي لا يقل أهمية في حركة التجارة العالمية. أي خلل هناك، يرتد هنا، والعكس صحيح. إنها معادلة جغرافيا وسياسة واقتصاد، تتقاطع فيها المصالح بشكل معقد..
السؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل نحن أمام حرب مؤجلة أم تسوية قريبة؟
الإجابة ليست سهلة، لكن المؤكد أن العالم يقف عند نقطة حرجة. كل الأطراف تدرك كلفة المواجهة، لكن حسابات الردع قد تدفعها إلى حافة لا عودة منها..
في زمن تتسارع فيه الأزمات، تبقى الحكمة هي الفارق بين الاستقرار والانفجار. ومصر—بما تملكه من خبرة وثقل—تتحرك لتكون جزءًا من الحل، لا جزءًا من الأزمة. لأن الحفاظ على استقرار المنطقة لم يعد خيارًا… بل ضرورة وجودية..
هذه ليست لحظة للحياد، بل لحظة للفعل المسؤول. فإما أن ينتصر صوت العقل… أو يدفع الجميع ثمن الصمت..




