مقالات

سلسلة الوعي اصل الحكاية 

 

*ما بين اتفاقية الدفاع العربي المشترك واتفاقية مكة 2026.. هل قالت الجغرافيا كلمتها؟* 8=15

 

 

 

*أولاً: من الاتفاقية الجامعة إلى التحالف المحدد*

 

في عام 1950 وقعت الدول العربية “اتفاقية الدفاع العربي المشترك”.

نصها واضح: أي اعتداء على دولة عربية هو اعتداء على الجميع.

لكنها ظلت حبراً على ورق. السبب أن التهديدات كانت مختلفة، والأولويات متباعدة، والقرار يحتاج إجماعاً صعباً.

 

وفي عام 2019 جاءت “قمة مكة” كرد فعل سريع على استهداف منشآت النفط في الخليج.

ركزت على أمن الخليج والتصدي للتدخلات الإقليمية. وكانت أضيق وأكثر تحديداً.

 

أما في عام 2026 فظهرت “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” بين السعودية وتركيا وباكستان.

وهنا انتقلنا من إطار عربي إلى تحالف إقليمي جديد يجمع ثلاث دول من خارج الجامعة العربية، ولكن يجمعها خطر جغرافي واحد.

 

*ثانياً: الجغرافيا هي التي كتبت الاتفاقية*

 

الجغرافيا لم تسكت. بل هي التي صنعت كل مرحلة.

 

*1. جغرافيا دوائر الخطر*

دول الخليج تواجه خطراً من جهة الشرق.

مصر تواجه ضغوطاً من الغرب في ليبيا ومن الجنوب في منابع النيل والبحر الأحمر.

تركيا وباكستان تواجهان اضطرابات في الشمال والشرق.

فلما اختلف الخطر، اختلف التحالف.

 

*2. جغرافيا الممرات الحيوية*

البحر الأحمر ومضيق باب المندب والخليج العربي ومضيق هرمز. كلها شرايين حياة للعالم.

اتفاقية 2026 هدفها حماية هذه الممرات من الإرهاب والقرصنة وزعزعة الاستقرار. أي أنها اتفاقية جغرافيا اقتصادية بالدرجة الأولى.

 

*3. جغرافيا التحالفات الواقعية*

عندما فشل الإطار الجامع، بحثت الدول عن شركاء لديهم نفس التهديد ونفس الموقع.

فجمعت الجغرافيا بين الرياض وأنقرة وإسلام أباد، رغم اختلاف اللغة والتاريخ.

 

*ثالثاً: مكاسب ومخاطر انضمام مصر لاتفاقية مكة 2026*

 

لو عُرض على مصر الانضمام، فالقرار يحتاج ميزاناً دقيقاً.

 

*أولاً: المكاسب المحتملة*

 

1. *تعزيز الأمن القومي*: مصر تؤمن حدودها الجنوبية والبحر الأحمر. والاتفاقية ستوفر غطاء استخباراتياً وعسكرياً مشتركاً في هذه المنطقة الحساسة.

2. *حماية قناة السويس*: أي استقرار في البحر الأحمر وباب المندب يعني أماناً للملاحة وتدفقاً للدخل القومي.

3. *ردع التهديدات*: وجود مصر في تحالف مع السعودية وتركيا وباكستان يرفع تكلفة أي مغامرة ضد الأمن المصري.

4. *تعاون اقتصادي وعسكري*: فتح الباب أمام مناورات مشتركة، وتبادل خبرات، وصفقات تسليح، واستثمارات في البنية التحتية.

 

*ثانياً: المخاطر والتحديات*

 

1. *إضعاف العمل العربي المشترك*: انضمام مصر لتحالف خارج الجامعة العربية قد يُفهم على أنه بديل عن الإطار العربي، ويزيد من حالة التشرذم.

2. *الدخول في صراعات ليست مصر طرفاً فيها*: الاتفاقية موجهة أساساً ضد تهديدات في الخليج وآسيا. قد تجر مصر إلى التزامات لا تخدم أولوياتها المباشرة.

3. *حساسية العلاقات الإقليمية*: العلاقة مع تركيا لا تزال تحتاج إلى ترتيب. والدخول في تحالف معها قد يثير تحفظات بعض الدول العربية الأخرى.

4. *التزامات مالية وعسكرية*: أي اتفاق دفاع مشترك يعني التزاماً بالدعم والمساندة. وهذا عبء إضافي على موازنة الدولة.

 

*الخلاصة*

 

الجغرافيا قالت كلمتها بوضوح.

قالت إن زمن “اتفاقية واحدة لكل العرب” انتهى.

وقالت إن المستقبل هو “تحالفات مرنة” حسب دائرة الخطر.

 

بالنسبة لمصر، الأمر ليس اختياراً بين “عروبة” و “تحالف”.

الأمر هو كيف نحمي الأمن القومي المصري أولاً.

 

*الانضمام مكسب* إذا كان بشروط مصرية، ويخدم البحر الأحمر وقناة السويس، ولا يجرنا إلى حروب الآخرين.

*والتحفظ حكمة* إذا كان سيفرغ الجامعة العربية ويضعنا في قلب صراعات لا ناقة لنا فيها ولا جمل.

 

*في النهاية*

الأمن القومي لمصر لا يُدار من قاعات الاجتماعات فقط.

يُدار من على حدودنا، ومن قناة السويس، ومن وعي شعبنا.

 

فالمطلوب هو “دفاع عربي مرن”:

إطار جامع في الجامعة العربية، ونواة صلبة من تحالفات ثنائية وثلاثية تخدم المصالح المباشرة.

 

*حفظ الله مصر.. قادرة على أن تختار التوقيت الصحيح، والمكان الصحيح، والتحالف الصحيح.*

حفظ الله مصر 🇪🇬 وشعبها 🇪🇬 وجيشها 🇪🇬 وقائدها العظيم 🇪🇬

 

الكاتب فرج حجاج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى