غرباء.. وثيقة سينمائية للأحوال المصرية المعاصرة

معتز محسن عزت
في 9 أبريل من العام 1973، كان العرض الأول لفيلم “غرباء” في دور العرض السينمائي، الذي قام بكتابة قصته مخرج الفيلم “سعد عرفة” وشاركه في القصة بالإضافة للسيناريو والحوار “رأفت الميهي”، وقام ببطولته: “سعاد حسني”، “شكري سرحان”، “عزت العلايلي”، “حسين فهمي”، “عزيزة راشد”، “عماد حمدي”، “ناهد سمير”، “حسن السُبكي”، “محمد السبع”.
يعتبر فيلم “غرباء” للمخرج “سعد عرفة”، وثيقة سينمائية استنباطية تنبأت بمستجدات عاتية طرأت بالفعل على الأحوال المصرية الحديثة والمعاصرة، وقت انتظار الجميع للحظات العبور العسير ما بين ملحمة الاستنزاف وعام الضباب، والكل مترقب لمخاض النصر المأزوم الذي طال انتظاره طوال ست سنوات.
يتناول الفيلم قصة “نادية يوسف” الرامزة لمصر، ومحاصرتها من ثلاثة أفكار وكل فكرة تسعى للسيطرة عليها عن طريق صاحبها، مرة من خلال شقيقها “أحمد يوسف” الرامز للتشدد الديني الساعي لمنعها من الاحتكاك بالعالم، تحت مزاعم الالتزام الديني!
ومرة من خلال “سمير” الفنان البوهيمي العاشق لنادية كحبيبة وموديل تعانق الريشة والألوان بمنتهى الائتلاف، وسعيه للسيطرة عليها برؤية الفنان البوهيمي، الذي يتمنى أن تكون دُميةً بين يديه لا تعارضه أو تناقشه في شئ، تحت مزاعم الحب والعشق!
ومرة من خلال أستاذها العلماني “فؤاد عبيد”، الداعي للعِّلمانية دون التسليم بالقضاء والقدر، مبررًا ذلك بأن سر تأخر الشرق هو إيمانهم المطلق بالمقسوم عكس الأمم الغريبة الحاسبة لكل شئ بالورقة والقلم، وهو سر منجزهم الدائم وسط العالم تكنولوجيًا وفكريًا وإنسانيًا، وهو المعتقد الذي آمن به حتى سفره للعالم الغربي الذي اكتشف مدى زيفه وزوره، وأن دعواتهم ما هي إلا فقاعات إعلانية يتشدقونها من أجل جذب الجميع لصفهم بأساليب استعمارية ناعمة.
تواجه نادية صراع الأفكار والأيديولوجيات، إلى أن تصل للحقيقة بعد اعتكاف أخيها أحمد واعتزاله الدنيا، ووقوع سمير في براثن الإدمان والبوهيمية وانتحار أستاذها فؤاد عبيد بعد أن أصابه الشك واليأس وفقده للأمل بأن القادم أفضل، لتتخذ قرارًا حسب وصية أستاذها التي تركها لها في رسالة بأن عليها أن تختار حسب رؤيتها وفكرها وتجربتها الشخصية طريقها المستقل دون اتباع الآخرين.
يعتبر الفيلم صرخة عصرية ومستقبلية في وجه التشدد الديني والتطرف البوهيمي والتعنت العلماني، في وقت فقدان الناس لأمل العبور والتفسخات المجتمعية على أشدها في مختلف الطبقات والشرائح المصرية، بل أراد الكاتب والمخرج أن يحذرا الناس بضرورة التمسك بالهوية المصرية دون الانصياع لأفكار مستوردة تسعى لطمس هويتهم المستقلة.
أكد الفيلم على صدق نبؤته بعد حدوث النصر المنتظر في 6 أكتوبر من العام 1973، وذلك بهبوب رياح التشدد الديني من المهاجرين لدول النفط، وهبوب رياح البوهيمية المفرطة من بعض الأفكار الغربية القادمة من المهاجرين للعالم الغربي أو من المؤثرات القادمة من أفلامهم وأغانيهم وفلسفاتهم المتنوعة.
تنبأ الفيلم أيضًا بهبوب رياح العلمانية الكلية، الرافضة لمعانقة التسليم بالأقدار حسب الرؤية الغربية المنتمية للفلسفة الوجودية لسارتر وفلسفة الحياة الأرضية لنيتشه، وهو ما أصاب الشباب بالشك والحيرة في معتقداتهم الدينية وحدوث بعض حالات الالحاد ما بين لحظات الانكسار والانتصار على مر العصور.
لم يأخذ فيلم “غرباء” حقه في العرض، لإرجاء عرضه وقت النجاح الساحق لفيلم “خلي بالك من زوزو” على مدار عام كامل في دور العرض، ولأخذ الرقابة موقفًا منه في أنه قد يتسبب في إصابة الشباب بالشك واليأس!
يعتبر “غرباء” حالة توثيقية للمجتمع المصري ما بين الأمس واليوم والغد، رغم عدم اختياره ضمن أحسن مائة فيلم في السينما المصرية في القرن الماضي، لينطبق عليه الحكمة القائلة “كل ما هو قيم مدفون تحت الأرض”.




