اليوم 8 سبتمبر.. اليوم الدولي لمحو الأمية

كتب/خطاب معوض خطاب
قد تبدو قراءة جملة بسيطة من كتاب أو كتابة الاسم على ورقة أمراً عادياً لا يستحق التوقف عنده، لكن هناك أناساً كان الحرف بالنسبة إليهم حلماً بعيداً، وكانت القدرة على قراءة كلمة أو كتابة رسالة قصيرة بمثابة باب يُفتح للمرة الأولى على عالم مختلف.
وفي 8 سبتمبر من كل عام يحتفل العالم باليوم الدولي لمحو الأمية، وهي مناسبة أقرتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» عام 1966، وبدأ الاحتفال بها سنوياً منذ عام 1967، للتأكيد على أن القراءة والكتابة ليستا مجرد مهارتين دراسيتين، وإنما حق أساسي من حقوق الإنسان، ووسيلة للكرامة والاستقلال والمشاركة في المجتمع.
ومحو الأمية حكاية أكبر من مجرد تعليم شخص لا يعرف القراءة والكتابة كيف يتهجى الحروف، فالأمر يتعلق بإنسان يستطيع بعد ذلك أن يقرأ عقداً أو وصفة دواء أو ورقة رسمية، وأن يكتب اسمه بنفسه، وأن يقرأ رسالة من ابن أو حفيد، وأن يتعامل مع ما حوله من دون أن يضطر دائماً إلى طلب المساعدة من الآخرين.
ولعل أكثر ما يجعل قضية محو الأمية مؤثرة أنها لا ترتبط بعمر معين. فقد يجلس طفل صغير على مقعد الدراسة، بينما يجلس إلى جواره رجل أو امرأة تجاوزا منتصف العمر، وكل منهما يحاول أن يبدأ من النقطة نفسها: حرف ثم كلمة، وكلمة تجر أخرى، حتى تتحول تلك الحروف الصغيرة إلى قدرة كبيرة على فهم الحياة.
وقد قطعت البشرية شوطاً طويلاً في هذا المجال خلال العقود الماضية، لكن المشكلة لم تنتهِ. ووفق أحدث بيانات اليونسكو، لا يزال هناك ما لا يقل عن 739 مليون شاب وبالغ حول العالم يفتقرون إلى مهارات القراءة والكتابة الأساسية، كما أن أربعة من كل عشرة أطفال لا يصلون إلى الحد الأدنى من الكفاءة في القراءة.
وهنا تتضح أهمية أن يكون الحديث عن محو الأمية حديثاً عن الإنسان قبل الأرقام. فكل رقم وراءه حكاية شخص لم تتح له فرصة التعليم في طفولته، أو اضطر إلى ترك المدرسة، أو عاش في ظروف حالت بينه وبين أن يتعلم، وربما ظل طوال سنوات يخفي عجزه عن القراءة حتى لا يشعر بالحرج أمام الآخرين.
والأصعب أن الأمية في زماننا لم تعد تعني فقط عدم القدرة على قراءة الكلمات وكتابتها، فقد أصبح العالم أكثر اعتماداً على التكنولوجيا والمعلومات، وأصبح الإنسان بحاجة أيضاً إلى أن يعرف كيف يتعامل مع الوسائل الرقمية، وكيف يميز المعلومات الصحيحة من المضللة، وكيف يقرأ ويفهم ما يصله عبر وسائل الإعلام والمنصات المختلفة. ولذلك أصبح مفهوم محو الأمية أكثر اتساعاً من صورته التقليدية.
وفي عام 2026 يحتفل العالم بالذكرى الستين لليوم الدولي لمحو الأمية، تحت شعار «محو الأمية من أجل الناس والكوكب والازدهار»، وهو شعار يربط بين التعليم وحياة الإنسان ومستقبل المجتمعات والتنمية المستدامة. وتقام الاحتفالات العالمية يومي 8 و9 سبتمبر في تشياباس بالمكسيك، بالتعاون بين اليونسكو والحكومة المكسيكية.
وربما أجمل ما يمكن أن نقوله في هذه المناسبة إن الإنسان لا يكبر على التعلم، وإن لحظة الإمساك بالقلم للمرة الأولى قد تكون متأخرة، لكنها ليست أبداً بلا قيمة.
فقد يكون هناك أب في الخمسين يتعلم كيف يكتب اسمه، وأم في الستين تقرأ أول رسالة بنفسها، وجدّ في السبعين يكتشف أن الكتاب الذي كان يخشاه أصبح قادراً على أن يفتحه ويقرأه.
هذه اللحظات الصغيرة قد لا تظهر في نشرات الأخبار، ولا تصنع عناوين كبيرة، لكنها بالنسبة لأصحابها انتصارات حقيقية.
فالحرف ليس مجرد شكل يُرسم على الورق، والكلمة ليست مجرد مجموعة من الحروف، والكتاب ليس مجرد صفحات متراصة.
إنها مفاتيح.
ومحو الأمية هو أن نعطي الإنسان المفتاح الذي يستطيع به أن يفتح أبواباً ظلت مغلقة أمامه سنوات طويلة.
وفي اليوم الدولي لمحو الأمية، لا نحتفل فقط بمن تعلم القراءة والكتابة، وإنما نحتفل بكل إنسان أصر على أن يبدأ من جديد، وبكل معلم جلس أمام متعلم كبير أو صغير ليعلمه حرفاً، وبكل يد أمسكت بالقلم وقالت، ربما للمرة الأولى: أستطيع أن أقرأ.. وأستطيع أن أكتب.




