مقالات

اعمل بعيون ابني

 

بقلم الإعلامي خالد سالم

 

 

 

أحيانًا، لا يحتاج الإنسان إلى خطبة طويلة حتى يستعيد ثقته في الإنسانية، بل تكفيه صورة واحدة.

صورة لرجل كفيف يحمل جوالًا من الأسمنت فوق كتفيه، بينما يمسك طفل صغير بيده، يقوده بين أكوام الطوب والحديد، حتى لا يتعثر أو يسقط.

للوهلة الأولى قد يظن البعض أن الطفل يعمل في موقع البناء، لكن الحقيقة كانت أكثر تأثيرًا؛ فالطفل لم يكن عاملًا… بل كان عينَي والده.

توقفت طويلًا أمام هذه الصورة، ولم أرَ فيها مجرد أب وابنه، بل رأيت درسًا في الكرامة، والحب، وتحمل المسؤولية.

هذا الأب لم يطلب صدقة، ولم يقف على أبواب الناس يشكو حاله، بل قرر أن يعمل رغم فقدان بصره، لأن لقمة العيش التي تأتي من عرق الجبين لها طعم لا يعرفه إلا الشرفاء.

أما الابن، فلم يكن يحمل الأسمنت، لكنه كان يحمل مسؤولية أكبر بكثير. كان يحمل أمل والده، ويمنحه الأمان في كل خطوة. كان يمشي أمامه وكأنه يقول للعالم كله:

“لا تقل إن أبي لا يرى… فأنه يرى بعيني.”

الاب أيمن سعد عبد الحميد (50 عاماً)، والمقيم بمحافظة الجيزة

وكم من أبناء يعيشون مع آبائهم ولا يشعرون بهم؟

وكم من آباء أنفقوا أعمارهم في تربية أبنائهم، ثم وجدوا أنفسهم في شيخوختهم يسيرون وحدهم؟

هذا الطفل الصغير أعاد تعريف معنى البر. فالبر ليس هدية في عيد، ولا منشورًا على مواقع التواصل، بل أن تكون سندًا لأبيك حين يحتاج إليك، وأن تمنحه من وقتك واهتمامك كما منحك عمره كله.

وفي المقابل، أعاد هذا الأب تعريف معنى الكرامة. فقد أثبت أن الإعاقة الحقيقية ليست فقدان البصر، بل فقدان الإرادة. وأن الإنسان يستطيع أن يهزم ظروفه ما دام قلبه حيًا وعزيمته أقوى من الألم.

لكن هذه القصة تطرح سؤالًا مؤلمًا:

هل يليق برجل فقد بصره أن يعمل في حمل الأسمنت والطوب حتى يطعم أبناءه؟

أليس بيننا مؤسسات وشركات وهيئات يمكن أن توفر له عملًا يناسب حالته؟ أليس من حقه أن يجد فرصة تحفظ كرامته وتستفيد من خبراته بعيدًا عن هذا العناء؟

إن تعاطف الناس مع قصته جميل، لكنه لا يكفي. فالمجتمعات لا تُقاس بعدد الدموع التي تذرفها، بل بعدد الفرص التي تمنحها لمن يستحقها.

لقد علمني هذا المشهد أن الإنسان قد يفقد عينيه، لكنه لا يفقد بصيرته، وأن طفلًا صغيرًا قد يصبح دليلًا لأبيه، بينما يعجز كثير من الكبار عن أداء هذا الدور.

وأدركت أن أجمل عبارة يمكن أن يقولها أب لابنه ليست: “أنت ابني.”

بل:

“أنا أعمل بعيونك.”

تحية لهذا الأب المكافح…

وتحية لهذا الابن الذي أثبت أن البر ليس كلامًا، بل أفعالًا.

ولعلنا جميعًا نتعلم من هذا المشهد أن الحياة لا تُرى بالعين وحدها، وإنما تُرى بالمحبة، والوفاء، والإرادة.

الإعلامي خالد سالم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى