الشوارع حواديت.. سيمفونية هاني شنوده الهادئة

معتز محسن عزت
يعتبر الموسيقار الراحل الكبير “هاني شنوده”، من الأسماء اللامعة التي ظهرت ما بين أواخر الستينيات والسبعينيات مع جيل أراد التغيير في فحوى الموسيقى العربية، تماشيًا مع الموجات الحديثة الصارخة بالموسيقى الأوروبية والأمريكية، من خلال تكوين فرق موسيقية جمعت بين الحداثة والأصالة من خلال أسماء شبابية عبرت عن تمردها في لحظات الاستنزاف ولحظات الضباب حتى حدوث العبور، من هذه الأسماء: “عمر خيرت”، “إسماعيل الحكيم”، “طلعت زين”، “عزت أبو عوف”، “عمر خورشيد”، “يحيى خليل “شفيق قطري” .
لمع اسم “هاني شنوده” من خلال تألقه الموسيقي الملحوظ، تحديدًا في فترة السبعينيات بعد تكوينه لفرقة “المصريين” في العام 1977، التي أراد من خلالها المزج بين الأصالة الشرقية والحداثة الغربية عبر جسر الأوبرالية والسلطنة المتواجدة في أصوات أعضاء فرقته: “إيمان يونس” (شقيقة الفنانة إسعاد يونس)، “منى عزيز”، “راندا”، إلى جانب العازفين المميزين: “تحسين يلمظ”، “ممدوح قاسم”، “هاني الأزهري”، “خالد الأحمدي”، “محمد الناقوري”.
أحدثت فرقة المصريين دَوِّيًا هائلاً عند تألقها من خلال أغنية “الشوارع حواديت”، للفنان الشامل “صلاح جاهين” الذي كتب كلماتها في العام 1978 وهو في عز اكتئابه عقب هزيمة 1967 وانفتاح السداح مداح، محاولاً الخروج من كهفه المظلم، عبر تلمس الجمال المخفي وسط العتمة، عبر كلمات “الشوارع حواديت”:
الشوارع حواديت
حوداية الحب فيها
وحوداية عفاريت
اسمعي يا حلوة لما أضحكك
الشارع دا كنا ساكنين فيه زمان
كل يوم يضيق زيادة عن ما كان
أصبح الآن بعد ما كبرنا عليه
زي بطن الأم ما لناش فيه مكان
الشوارع حواديت
حوداية الحب فيها
وحوداية عفاريت
اسمعي يا حلوة لما أضحكك
الشارع دا رحنا فيه المدرسة
اللي باقي منه باقي
واللي مش باقي اتنسى
كنسوه الكناسين بالمكنسة
ييجي دور لحظة أسى
أنا برضه كمان نسيت
الشوارع حواديت
حوداية الحب فيها
وحوداية عفاريت
اسمعي يا حلوة لما أضحكك
الشارع دا أوله بساتين
وآخره حيطة سد
ليا فيه قصة غرام ماحكيتش عنها لأي حد
من طرف واحد وكنت سعيد قوي
بس حراس الشوارع حطوا للحدوتة حد
الشوارع حواديت
حوداية الحب فيها
وحوداية عفاريت
اسمعي يا حلوة لما أضحكك
الشارع دا شفتك إنتي ماشية فيه
لابسة جيب وبلوزة وردي
وعاملة ديل حصان وجيه
اتجاهك اتجاهي مشينا ليه
والشارع دا زحام وتيه
بس لازم نستميت
والشوارع حواديت
حوداية الحب فيها
وحوداية عفاريت
وإضحكي يا حلوة لما اسمّعك
قام “هاني شنوده” بتلحين كلمات جاهين الشقية الشجية، مستعينًا بصوت حمل في نبراته نفس سمات الكلمات الجهينية، وهو ما وجده في صوت المطربة الجميلة “إيمان يونس”، من مؤسسي فرقة المصريين التي أضفت على الأغنية الرومانسية والشجن والحيرة والتساؤل والتفكر والتمرد الهادئ، وكأنها تشدو بسيمفونية هادئة تدعو بصوت هامس للتمرد على الغير مألوف في الحياة.
حققت أغنية “الشوارع حواديت” نجاحًا هائلاً، رغم شيوع أغاني الانفتاح التي تسببت في ضبابية الذوق العام للجمهور، وتوكيدًا على نجاح الأغنية يأتي العام 1983، حاملاً صيغته التوكيدية في ديمومة نجاح اللحن التمردي الهادئ عبر الاستعانة به، ضمن أحداث فيلم “الحريف” من تأليف “بشير الديك” وإخراج “محمد خان”، وبطولة: “عادل إمام”، “فردوس عبد الحميد”، “عبد الله فرغلي”، “نجاح الموجي”، “عبد الله محمود”، “زيزي مصطفى”، “حمدي الوزير”، “صبري عبد المنعم”، “ولاء فريد”.
جاء اختيار موسيقى “الشوارع حواديت” كتتر بداية ونهاية، مع الموسيقى الداخلية لأحداث الفيلم لمزجه المناسب مع تفاصيل الفيلم، المليئ بالتساؤلات الحائرة حول ضبابية الإجابات في الشوارع الفسيحة المليئة بالكثير والكثير في زمن الانفتاح ومابعده.




