مقالات

لماذا نعود إلى الثمانينيات؟  حنينٌ رقمي أم هروبٌ من الواقع؟

 

بقلم دكتورة دينا سمير

بين الذكاء الاصطناعي وذكريات زمن لم نعشه… اجتاحت صور الثمانينيات مواقع التواصل الاجتماعي

في الأيام الأخيرة، وتوجهت مواقع التواصل الاجتماعي موجة جديدة من الصور التي تعيد المستخدمين إلى حقبة الثمانينيات والتسعينيات. فجأة أصبح الجميع يظهرون بملابس قديمة، وتسريحات شعر كلاسيكية، وخلفيات تشبه استوديوهات التصوير القديمة، وكأن الزمن عاد بنا عشرات السنوات إلى الوراء.

 

لكن السؤال الأهم: لماذا انتشرت هذه الظاهرة بهذه السرعة؟

 

ولماذا يرغب الإنسان في رؤية نفسه في زمن لم يعشه ربما؟

 

الذكاء الاصطناعي… آلة الزمن الجديدة

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد وسيلة لتعديل الصور، بل أصبح أشبه بـ«آلة زمن رقمية». بضغطة زر يستطيع الإنسان أن يرى نفسه في عصر مختلف، بملابس مختلفة، وملامح تحاكي زمنًا مضى.

 

وهنا لا تكمن جاذبية الأمر في الصورة فقط، بل في التجربة النفسية التي تمنحها للإنسان.

فكل صورة تقول لصاحبها بطريقة غير مباشرة:

ماذا لو كنتُ موجودًا في زمن آخر؟ كيف كنت سأبدو؟

 

وكيف كانت ستكون حياتي؟

 

لماذا الثمانينيات تحديدًا؟

 

لأن الثمانينيات في الوعي الجمعي ترتبط بزمن أكثر بساطة.

زمن كانت فيه العلاقات أقل تعقيدًا، والتكنولوجيا أقل سيطرة، والصور لا تُلتقط كل دقيقة، والناس يعيشون اللحظة أكثر مما يوثقونها…

حتى الأشخاص الذين لم يعيشوا تلك الفترة يشعرون بالحنين إليها، وهو ما يمكن أن نطلق عليه:

«الحنين إلى زمن لم نعشه».

فنحن لا نشتاق فقط إلى الماضي الذي عشناه، أحيانًا نشتاق إلى الماضي كما رسمته لنا الأفلام والأغاني والقصص والصور القديمة.

 

هل نحن نهرب من الحاضر؟

ربما.✏️

فالحاضر سريع، مرهق، ومليء بالمقارنات والضغوط.

وسائل التواصل الاجتماعي جعلت الإنسان يعيش في سباق دائم:

كيف أبدو؟

ماذا حققت؟

ماذا أمتلك؟

وكيف يراني الآخرون؟

لذلك، عندما يرتدي الإنسان رقميًا ملابس الثمانينيات ويظهر في صورة قديمة، فهو لا يصنع صورة فقط، بل ربما يبحث عن لحظة هروب من واقع شديد السرعة.

الترند… قوة العدوى الاجتماعية

لكن هناك سببًا آخر لا يقل أهمية، وهو ما يسمى بـ العدوى الاجتماعية.

عندما نرى أصدقاءنا ومشاهير ومؤثرين ينشرون صورًا بأسلوب معين، نشعر بالفضول والرغبة في التجربة.

نحن بطبيعتنا كائنات اجتماعية، والترند يمنحنا شعورًا بأننا جزء من الجماعة.

فبدلًا من أن نقول:

«أنا أريد صورة من الثمانينيات»،

قد يكون ما يحدث نفسيًا هو:

«الجميع يفعل ذلك… لماذا لا أجرب أنا أيضًا؟»

بين المتعة والبحث عن الهوية

اللافت أن هذه الصور لا تعبر فقط عن الموضة، بل عن سؤال أعمق:

من أنا في نظر نفسي؟

ومن كنت سأكون لو عشت في زمن آخر؟

الذكاء الاصطناعي يمنح الإنسان فرصة لتجربة هويات متعددة.

مرة يظهر كفنان من الستينيات، ومرة كنجم من الثمانينيات، ومرة كشخص يعيش في المستقبل.

وهكذا أصبح الإنسان قادرًا على إعادة تشكيل صورته وهويته بصريًا.

الخلاصة

انتشار صور الثمانينيات ليس مجرد «ترند عابر».

إنه مزيج بين:

الفضول تجاه الماضي

الحنين إلى البساطة

الهروب المؤقت من ضغوط الحاضر

تأثير التقليد والعدوى الاجتماعية

 

قوة الذكاء الاصطناعي في صناعة واقع بديل

وربما يكون السؤال الأجمل:

هل نحن بالفعل نشتاق إلى الثمانينيات؟

أم أننا نشتاق إلى زمن نشعر فيه بأن الحياة كانت أبسط؟

 

في زمن يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي أن يعيد تشكيل وجوهنا وملابسنا وذكرياتنا، لم يعد السؤال: كيف كنا؟ بل كيف أصبحنا : وكيف نريد أن نذكر أنفسنا؟

 

بقلم دكتورة دينا سمير

مدير برنامج تأهيل وتطوير الذات واستشاري التوجهية والأرشاد التربوي علم الاجتماع…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى